مقال

تحالف “الفواتير”: عندما يغتال الجشع قدسية الطب


‏بقلم /محسن رجب جودة

‏في غرف الانتظار المزدحمة، يجلس مريضٌ أرهقه المرض قبل أن يرهقه الفقر، يمسك بيده بضعة جنيهات جُمعت بشق الأنفس، ليفاجأ بـ “روشتة” ليست مجرد وصفة علاج، بل هي قائمة طويلة من الطلبات التي تبدو في ظاهرها تشخيصية، وفي باطنها “اتفاقات مبرمة” خلف الأبواب المغلقة.

‏تبدأ الرحلة بطلب الطبيب لمجموعة من التحاليل والأشعة في مراكز “بالاسم”، دون غيرها. هنا تبرز ظاهرة “النسبة” أو (Kickback)، حيث يتقاضى الطبيب عمولة مقابل كل مريض يُرسله. هذا التحالف المظلم يدفع بعض الأطباء لطلب فحوصات لا يحتاجها المريض فعلياً، مما يضع عبئاً مالياً ثقيلاً على كاهل إنسان قد يضطر لبيع أثاث منزله ليوفر قيمة “أشعة مقطعية” أو “تحليل شامل” لمجرد إرضاء طمع التحالف.

‏يكتمل المشهد حين تُكتب الروشتة بأسماء تجارية لشركات محددة تربطها بالصيدلي أو الطبيب مصالح تسويقية، متجاهلين البدائل الأرخص التي تؤدي نفس الغرض. المريض الذي لا يجد قوت يومه يقف أمام الصيدلي حائراً، فإما أن يشتري الدواء ويجوع، أو يتركه ويواجه المرض بصدرٍ عارٍ.

‏هذا النوع من الاستغلال يؤدي إلى تآكل الثقة بين المجتمع والمنظومة الصحية. عندما يشعر المريض أنه “زبون” في سوبر ماركت كبير وليس نفساً بشرية تحتاج للرعاية، يبدأ في العزوف عن طلب العلاج، مما يفاقم الحالات المرضية البسيطة لتتحول إلى كوارث صحية تستنزف الدولة والمجتمع لاحقاً.

‏إنّ مهنة الطب هي “مهنة الرحمة”، ومن أبشع صور الاستغلال هو استغلال جهل المريض أو حاجته. إن المريض الذي “لا يجد قوت يومه” هو أمانة في عنق الطبيب قبل غيره، والواجب المهني يفرض على المنظومة الصحية مراعاة البعد الاجتماعي، والاكتفاء بما تقتضيه الضرورة الطبية الحقيقية.

‏لا يمكن تعميم هذا السلوك على الجميع، فما زال بيننا أطباء وصيادلة يضربون أروع الأمثلة في الزهد والعطاء. لكنّ تسليط الضوء على هذه “القلة المستغلة” هو أول خطوة في طريق الإصلاح، لنعيد للرداء الأبيض بياضه الناصع، وللمريض كرامته المهدرة على عتبات العيادات والمختبرات.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *