اعلام

بين ميزان العدالة وشاشة الإعلام، عندما يتحول المذيع إلى قاضي

كتبت /رحاب الحسيني

شهدت الحلقة الأخيرة من برنامج “حقائق وأسرار” المذاع على قناة “صدى البلد”، والتي تناول فيها الإعلامي مصطفى بكري قضية الطفل “يوسف” المصاب بضمور العضلات الشوكي والإتهامات الموجهة للمشككة ” المحامية رضوى” ، سقطة مهنية تستدعي التوقف والمراجعة

ما حدث لم يكن مجرد تناول إعلامي اعتيادي لقضية إنسانية أو مثيرة للجدل، بل إنه يفتح بابًا لسؤال جوهري خطير حول حدود مهنة الإعلام، والخط الفاصل بين كشف الحقائق وإصدار الأحكام

يا أستاذ مصطفى بكري أنت إعلامي، ولست قاضيًا

من حقك الدستوري والمهني كاملاً أن تفتح الملف، ومن حقك أن تسأل وتستفسر، ومن حقك بالتأكيد أن تطالب الجهات المعنية بالتحقيق لحماية الطفولة أو المال العام.

لكن الأزمة الحقيقية تبدأ عندما يظهر الإعلامي على الشاشة وكأنه طرف أصيل في الخصومة، ويختار طواعية أن يقدم القضية للرأي العام من زاوية واحدة وجبهة مسبقة الصنع

هنا تحديدًا تسقط أهم القواعد الذهبية لمهنة الصحافة والإعلام، الحياد، والموضوعية، وحق الرد المكفول للجميع.

وهنا نتوجه إليك بالسؤال مباشرة بصفتك البرلمانية.

يا سيادة النائب، ما صلتك الحقيقية بهذا الموضوع؟

ولماذا “يوسف” تحديداً الذي نال كل هذا الإهتمام والدفاع المستميت؟

إن الشارع المصري يهمس ويتساءل خلف الكواليس

هل صحيح ما يتردد عن وجود صلة نسب أو قرابة بين حضرتك وبين أحد المسؤولين ؟
أو بالأحرى المتورطين ، في أزمة التبرعات الخاصة بملف يوسف؟

المفروض والمأمول من شخصك ، كنائب عن الشعب يمثل الأمة بأسرها، أن تخرج لتتحدث بإسم هذا الشعب المطحون الذي دفع من قوته وأمواله تلك التبرعات، ويريد اليوم أن يعرف أين ذهبت أمواله؟ وبدلاً من الانحياز الفج واتخاذ صف طرف على حساب طرف آخر دون أدلة قاطعة، كان الأجدر بك وبموقعك النيابي والمهني التزام الحياد المطلق بين طرفي النزاع حتى تتضح الرؤية.

وبما أنك أخترت بإرادتك أن تدخل هذا المعترك وتضع نفسك في قلب الأزمة، فيا ليتك تخرج لترد على تساؤلات الرأي العام الحارقة.

ما هي الحقيقة الطبية الكاملة وراء مرض “يوسف”؟

وما سر كل هذه الحسابات البنكية المتعددة والمفتوحة على حِس مرضه؟

ولماذا تأخر سفره للعلاج طوال هذه المدة رغم إكتمال المبالغ؟

نتمنى إن أردت مهنية حقيقية ،أن نسمع إجابات شافيه لهذه الأسئلة من خلال إستضافة لجنة طبية موسعة تضم عدة أطباء متخصصين، يتحدثون بعلم ومسؤولية أمام المشاهدين، بدلاً من التباكي وإلقاء الإتهامات مرسلة

إن إعلان البلاغ للنائب العام على الهواء مباشرة ليس حكمًا بالإدانة، والإتهام في العرف القانوني والإعلامي لا يمكن إعتباره حقيقة نهائية بأي حال من الأحوال

إن التعاطف الإنساني النبيل مع حالة الطفل “يوسف” وأسرته ،وهو تعاطف مشروع ومقدر ،لا يعني بأي شكل من الأشكال إدانة الطرف الآخر ،المحاميه رضوى، شعبيًا قبل أن تنتهي تحقيقات النيابة العامة وتفصل المحكمة في الأمر؛ فالقانون وحده هو صاحب الكلمة الفصل والنهائية

نحن هنا لا ندافع عن “رضوى”، ولا نسعى لمهاجمة أسرة “يوسف”، بل إننا نقف مدافعين عن شرف المهنة ومواثيقها الشرفية

نحن نسأل بلسان المشاهد الواعي: أين الطرف الآخر في هذه التغطية؟

أين حق الرد المكفول قانونًا؟

أين المسافة المهنية الآمنة التي يجب أن تفصل الإعلامي عن أطراف القضية ليبقى حكمًا محايدًا ينقل الحقيقة ولا يصنعها؟

إن أخطر ما يمكن أن يرتكبه الإعلام في عصرنا الحالي هو المحاكمات التلفزيونية، وصناعة أحكام شعبية مسبقة تجرف في طريقها قيم العدالة، فليترك الإعلام ساحة القضاء للقضاة، وليعد إلى دوره الأساسي

الإخبار بحياد، والبحث عن الحقيقة دون إنحياز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى