بين قبة البرلمان ومقصلة “السوشيال ميديا”.. كيف تحول دفاع “سحر عتمان” عن الأمن الغذائي إلى شائعة “سحب الحصانة”؟

بقلم: عزالدين صلاح
في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي تصنع “التريند” قبل أن تقرأ التفاصيل، غابت الحقيقة وراء العناوين البراقة والمثيرة. وخلال الأيام القليلة الماضية، ضجت الفضاءات الإلكترونية بموجة من الهجوم والتهكم طالت النائبة الدكتورة سحر عتمان، عضو مجلس النواب عن حزب العدل دائرة بلبيس ومشتول السوق بمحافظة الشرقية، على خلفية تقدمها بطلب إحاطة لوزير الزراعة حول تراجع أسعار بيض المائدة… ولم يقف الأمر عند حدود الانتقاد، بل تجاوز ذلك إلى ترويج شائعات لا أساس لها من الصحة حول “مطالبات بسحب الحصانة البرلمانية عنها”، وهو ما يثبت بالدليل القاطع فجوة الوعي بآليات العمل البرلماني والاقتصادي.
فخ “التريند”.. لماذا ظلم الناس النائبة؟
خرجت العناوين تتساءل في سخرية: “هل أصبح رخص أسعار البيض مشكلة؟”، فتلقف الجمهور العنوان دون قراءة المضمون. والمفارقة هنا أن النائبة سحر عتمان لم تكن تهاجم المواطن أو تستكثر عليه انخفاض الأسعار، بل كانت تمارس دورها الرقابي والتشريعي في حماية الاقتصاد القومي من كارثة مستقبلية.
إن أي باحث مبتدئ في علم الاقتصاد يعلم أن “الانهيار الحاد في الأسعار إلى ما دون تكلفة الإنتاج” هو المسمار الأول في نعش أي صناعة. عندما يبيع المربي طبق البيض بـ 60 أو 70 جنيهًا داخل المزرعة بينما تكلفته الفعلية تتجاوز ذلك بكثير، فإننا لسنا أمام “انخفاض إيجابي للمستهلك”، بل أمام خسائر تشغيلية فادحة تضرب صغار ومتوسطي المنتجين.
السيناريو الكارثي الذي حذرت منه النائبة يتلخص في الآتي:
استمرار الخسائر يعني إفلاس صغار المربين وخروجهم من السوق.
خروج المربين سيؤدي حتمًا إلى تراجع الإنتاج ونقص المعروض في الأشهر القادمة.
نقص المعروض سيقودنا إلى قفزة جنونية غير مسبوقة في الأسعار (موجة غلاء جديدة)، يدفع ثمنها المواطن البسيط وحده.
لذا، فإن طلب الإحاطة لم يكن “ضد رخص الأسعار”، بل كان استشرافًا للمستقبل لحماية استثمارات تتجاوز 100 مليار جنيه وتوفر أكثر من 3 ملايين فرصة عمل، ولضمان الحفاظ على الاكتفاء الذاتي الذي حققته مصر بإنتاج 16 مليار بيضة سنويًا.
فبركة “سحب الحصانة”.. شائعة لا محل لها من الإعراب
أما ما تم ترويجه من شائعات حول “سحب الحصانة”، فهو يعكس جهلاً قانونيًا مركبًا. فطلب الإحاطة هو أداة رقابية كفلها الدستور والقانون لكل نائب للتعرف على خطط الحكومة، والنائبة استخدمت حقها الدستوري الشرعي ولم ترتكب مخالفة قانونية أو جنائية تستوجب حتى مناقشة رفع الحصانة.
لقد تعامل بعض رواد التواصل الاجتماعي مع النائبة بنوع من “الظلم المجتمعي”، متناسين أن من يدافع عن استقرار بورصة الدواجن والبيض إنما يدافع عن استقرار مائدة الأسرة المصرية على المدى الطويل، حتى لا نجد أنفسنا مضطرين للاستيراد بالعملة الصعبة مجددًا.
سحر عتمان.. بصمات وطنية تتجاوز حدود “البيض”
إن محاولة اختزال أداء الدكتورة سحر عتمان في “طلب إحاطة أسيء فهمه” هو إجحاف شديد لجهودها البرلمانية والإنسانية؛ فالنائبة تمتلك سجلًا حافلاً في مواجهة القضايا الاستراتيجية والمعقدة، وعلى رأسها ملف الهجرة غير الشرعية.
لطالما كانت الدكتورة سحر عتمان صوتًا عاقلاً ومحذرًا من قوارب الموت التي تبتلع الشباب المصري في عرض البحر. ولم تقف جهودها عند حدود الخطب الرنانة، بل تبنت تحركات فاعلة تضمنت:
مناشدة المسؤولين في مصر وليبيا: لتشديد الرقابة وتنسيق الجهود الأمنية والإغاثية لإنقاذ الشباب العالقين على الحدود أو أولئك الذين يقعون فريسة لعصابات التهريب الدولي.
طرح بدائل تنموية: من خلال المطالبة بخلق فرص عمل حقيقية وتأهيل الشباب لأسواق العمل المحلية والدولية بطرق شرعية.
هذا الدور الإيجابي الإنساني يعكس الرؤية الشاملة للنائبة، فهي تدرك أن حماية الأمن القومي تبدأ من إنقاذ عقول وشباب الوطن من الهجرة غير الشرعية، وتكتمل بحماية أمنهم الغذائي واستثماراتهم المحلية تحت قبة البرلمان.
خلاصة القول:
إن ما حدث مع الدكتورة سحر عتمان هو درس بليغ في أهمية “الوعي”. طلب الإحاطة الذي قدمته يمثل “صوت العقل” لحماية اقتصاد استراتيجي، والهجوم عليها كان مدفوعًا بالعواطف اللحظية والشائعات المفبركة. لتبقى الحقيقة الثابتة: البرلمان يمارس دوره، والنائبة تؤدي رسالتها، وقطاع الدواجن يحتاج فعليًا لتدخل عاجل يحمي المنتج والمستهلك معًا قبل فوات الأوان.
بين قبة البرلمان ومقصلة “السوشيال ميديا”.. كيف تحول دفاع “سحر عتمان” عن الأمن الغذائي إلى شائعة “سحب الحصانة”؟
بين قبة البرلمان ومقصلة “السوشيال ميديا”.. كيف تحول دفاع “سحر عتمان” عن الأمن الغذائي إلى شائعة “سحب الحصانة”؟



