النعمة بين الشكر والجحود

بقلم / محمـــد الدكـــروري
إنه مما ينبغي التنبيه عليه هو أن تعليم الناس العلم الشرعي هو من أعظم النفع، فإن حاجتهم إلى العلم الشرعي أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وكما ينبغي علينا أن نعلم جميعا أن السعي في قضاء حوائج الناس من أسباب البركة وزيادة الرزق، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله” “إن لله أقواما اختصهم بالنعم لمنافع العباد يقرّهم فيها ما بذلوها فإذا منعوها نزعها منهم فحوّلها إلى غيرهم” كما أنه من كرم الله عز وجل على عباده أن جعل الساعي في قضاء حاجة أخيه المسلم أن يكون في معيته سبحانه مؤيدا له، ومعينا ومثيبا وكفى به أجرا وفضلا، فمن سعى في قضاء حوائج الناس على اختلاف مشاربهم وأجناسهم.
قضى الله له حوائجه وثبته على الصراط، وإن اسم الله الأعظم هو الاسم الذي قامت به الأرض والسموات، وأنزلت به الكتب وأرسلت به الرسل وشرعت الشرائع، وبه انقسمت الخليقة إلى أشقياء وسعداء، وبه حقت الحاقة ووقعت الواقعة، ووضعت الموازين بالقسط، ونصب الصراط، وقام سوق الجنة والنار، وأول سؤال في القبر عنه، رافع السماء بلا عمد وباسط الأرض بلا وتد، وفى عهد النبى صلى الله عليه وسلم وذات مرة رأى في الناس حاجة وكان وقت الأضاحي فنهاهم عن ادخار اللحم لأكثر من ثلاثة أيام، وما ذاك إلا ليواسوا غيرهم بما زاد عن حاجتهم ثلاثة أيام، ثم في العام القابل استغنى الناس فرخص لهم في ادخار اللحم كيف شاءوا، وقيل أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عس المدينة ذات ليلة عام الرمادة.
فلم يجد أحدا يضحك، ولا يتحدث الناس في منازلهم على العادة، ولم ير سائلا يسأل، فسأل عن سبب ذلك، فقيل له يا أمير المؤمنين، إن السؤال سألوا فلم يعطوا، فقطعوا السؤال، والناس في هم وضيق فهم لا يتحدثون ولا يضحكون، ولنعلم جميعا إن هذه النعم التي بين يدينا زائلة لا محالة، وإن لم نحفظها ونقيدها بالشكر، وإن ما يحصل من كثير من الناس من عدم حفظ هذه النعم لهو أمر يندى له الجبين ومؤذن بخطر عظيم، فقال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه “إن النعمة موصولة بالشكر” وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها “ما من عبد يشرب الماء القَراح فيدخل بغير أذى ويُخرج الأذى إلا وجب عليه الشكر” ولنعلم جميعا أن إدخال السرور على المؤمن من أعظم القربات، ومواساة إخوانه له.
مما يدخل السرور عليه، لعلمه أنهم يحسون به، ويتألمون لألمه، ويخففون عنه مصابه، وكلما كانت المواساة في أمر ضروري كان وقعها على النفس أشد، فعن أبى هريره رضى الله قال، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أى الأعمال أفضل ؟ قال أن تدخل على أخيك المؤمن سرورا، أو تقضى له دينا أو تطعمه خبزا ” رواه ابن أبي الدنيا، فأحيوا إخوانكم بفضول أموالكم، وتواصوا بمواساتهم فيما بينكم، فإن المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله، ومن تخلى عن إخوانه في محنتهم ليفترسهم الجوع والبرد والخوف، فقد ظلمهم وأسلمهم وخذلهم، ويخشى أن تزول نعمته، وأن تعجل نقمته، وأن تبدل عافيته.



