د.سوهير الطويل
باحث اجتماعي واسري وتربوي
الأسرة في التصور الإسلامي ليست علاقة عاطفية عابرة بل هي ميثاق غليظ يقوم على مسؤوليات محددة وتكليف واضح ومن أهم هذه التكاليف ما يتعلق بالدور الاقتصادي للرجل الذي جعله الشرع أساسًا في بنية القوامة وحين ينسحب الرجل من هذا الدور بإرادته لا يختل التوازن المالي فقط بل يختل المعنى الشرعي الذي قام عليه عقد الزواج
يقول الله تعالى في سورة النساء الآية الرابعة والثلاثين إن الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالقوامة هنا مرتبطة نصًا بالإنفاق وتحمل التبعة ولم تُبنَ على تفوق مطلق أو سيطرة بل على القيام بالرعاية والكفاية وتحقيق الأمان المادي والمعنوي
ويؤكد القرآن هذا المعنى في موضع آخر بقوله تعالى في سورة البقرة الآية الثالثة والثلاثين بعد المئتين وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف فالنفقة ليست خيارًا بل واجبًا مقرونًا بالمعروف أي بالعدل والكرامة دون منٍّ ولا إذلال
وجاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري في صحيح البخاري قول النبي صلى الله عليه وسلم كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته فالمسؤولية هنا ليست معنوية فحسب بل عملية تشمل الرعاية والإنفاق والتدبير
وفي حديث آخر رواه الإمام مسلم بن الحجاج في صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع حتى يسأل الرجل عن أهل بيته وهذا النص يضع المسؤولية الأسرية في موضع المساءلة أمام الله لا أمام المجتمع فقط
وفيما يتعلق بالنفقة جاء في الحديث الذي رواه الإمام أبو داود في سنن أبي داود قوله صلى الله عليه وسلم كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت فالنفقة ليست إحسانًا زائدًا بل تركها مع القدرة عليها يعد تقصيرًا مؤثمًا
كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسند أحمد إن من أفضل ما أنفق الرجل نفقة ينفقها على عياله فجعل الإنفاق على الأسرة من أفضل أوجه الصدقة وأعلاها أجرًا
من هذه النصوص يتضح أن القوامة تكليف اقتصادي وأخلاقي قبل أن تكون موقعًا إداريًا داخل الأسرة فهي قيام على الشأن كله حماية وإنفاقًا وعدلًا فإذا تخلى الرجل عن دوره الاقتصادي بإرادته واعتمد اعتمادًا دائمًا على دخل زوجته فقد عطّل أحد أعمدة القوامة التي ربطها القرآن بالإنفاق صراحة
الخلل الناتج عن هذا الانسحاب لا يقف عند حدود المال بل يمتد إلى البناء النفسي والاجتماعي فالمرأة التي تتحمل عبء الإنفاق وحدها وإن فعلت ذلك برضا تتحول تدريجيًا من شريك إلى معيل وقد يتبدل شعورها من الاستناد إلى الإرهاق ومن الإعجاب إلى النقد ومع الوقت يضعف ميزان الاحترام المتبادل لأن أحد الطرفين لم يعد يؤدي ما كلفه الله به
أما الرجل الذي يرضى بالاتكالية الدائمة مع القدرة على السعي فإنه يفقد أحد أهم مصادر شعوره بالقيمة لأن الكسب والسعي مرتبطان بالمسؤولية والجدوى وحين يغيب هذا المعنى يتراجع دوره القيادي وتختل صورة الأب في نظر أبنائه فينشأ جيل يخلط بين الشراكة والتخلي وبين الدعم المؤقت والانسحاب المزمن
ينبغي التفريق بين عجز قهري يمر به الرجل فيقف الجميع إلى جواره وبين انسحاب اختياري يتخذه أسلوب حياة فالدعم في الأزمات يقوي الرابطة أما تحويل الإحسان إلى قاعدة دائمة يُبنى عليها البيت فهو قلب للمعادلة التي أرساها الشرع
إن القوامة في الإسلام ليست تسلطًا ولا تفضيلًا مطلقًا بل مسؤولية عملية قائمة على الإنفاق والرعاية وحين يغيب هذا الالتزام يختل الميزان الذي أقامه الله بين الحقوق والواجبات وتتحول الأسرة من سكن وأمان إلى مساحة توتر صامت لأن البيت لا يقوم على الشعارات بل على أداء التكليف وتحمل الأمانة كما أرادها الله عدلًا ورحمة واستقرارًا

