بقلم المحامية/ أميرة عمر
يُعدّ الفريق سعد الدين الشاذلي واحدًا من أعظم القادة العسكريين في التاريخ المصري الحديث، وأحد العقول الاستراتيجية النادرة التي صنعت نصر أكتوبر 1973، حتى لُقّب بحق بـ “مهندس العبور”. لم يكن الشاذلي مجرد قائد ميداني، بل كان صاحب رؤية عسكرية متكاملة، جمعت بين العلم والانضباط والشجاعة في اتخاذ القرار، والصدق في قول الحقيقة مهما كان ثمنها.
وُلد الفريق سعد الدين الشاذلي في محافظة الغربية عام 1922، وتخرّج في الكلية الحربية عام 1940، ليبدأ مسيرة عسكرية حافلة شارك خلالها في حرب فلسطين عام 1948، ثم العدوان الثلاثي عام 1956، وحرب اليمن، وصولًا إلى أهم محطات حياته العسكرية: حرب أكتوبر المجيدة.
تولى الشاذلي رئاسة أركان حرب القوات المسلحة المصرية عام 1971، وفي هذا المنصب لعب الدور الأبرز في وضع خطة العبور التي حطّمت أسطورة خط بارليف، مستندًا إلى دراسة دقيقة لإمكانات الجيش المصري، وطبيعة العدو، والظروف السياسية والعسكرية المحيطة. وتميزت خطته بالبساطة والواقعية والاعتماد على عنصر المفاجأة، وهو ما جعلها قابلة للتنفيذ وناجحة على أرض المعركة.
غير أن عظمة الشاذلي لم تتجلَّ فقط في التخطيط للنصر، بل في نزاهته وجرأته بعد الحرب، حين اختلف مع القيادة السياسية حول إدارة المعركة بعد العبور، ورفض تحميل الجيش أخطاء لم يكن مسؤولًا عنها. دفع ثمن مواقفه الصريحة تهميشًا وإقصاءً، ثم عاش سنوات من الغربة، لكنه ظل ثابتًا على قناعاته، مؤمنًا بأن التاريخ سينصفه.
وفي كتابه الشهير “حرب أكتوبر”، قدّم الفريق سعد الدين الشاذلي شهادة عسكرية ووطنية نادرة، كشف فيها تفاصيل الحرب بموضوعية وصدق، واضعًا مصلحة الوطن فوق أي اعتبار شخصي، ليصبح الكتاب مرجعًا عسكريًا مهمًا داخل مصر وخارجها.
رحل الفريق سعد الدين الشاذلي عام 2011، لكنه لم يغب عن الذاكرة الوطنية، فقد عاد اسمه ليُذكر مقرونًا بالشرف والكفاءة والضمير الحي. وسيظل نموذجًا فريدًا للقائد الذي انتصر في المعركة، وتمسك بالحقيقة بعدها، فخلّد نفسه في وجدان الأمة.
رحم الله الفريق سعد الدين الشاذلي، عقل النصر الذي لم يساوم، وضمير الجندية المصرية الذي بقي نقيًا حتى النهاية.


