مقال

الفتنة بالبأس والفتنة بالمال


بقلم / محمـــد الدكـــروري

إن الحمد لله شارح صدور المؤمنين، فانقادوا إلى طاعته وحسن عبادته، والحمد له أن حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، يا ربنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، ونشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، وصلى اللهم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين أجمعين، ثم أما بعد تقول المصادر الإسلامية إن سورة القصص تعرض قوة الحكم والسلطان وهي قوة فرعون الطاغية المتجبر اليقظ الحذر وفي مواجهتها موسى طفلا رضيعا لا حول له ولا قوة، ولا ملجأ له ولا وقاية، وكذلك أحس الطاغية أن هناك خطرا على عرشه وملكه من وجود هذه الطائفة في مصر وهم بني إسرائيل ولم يكن يستطيع أن يطردهم منها وهم جماعة كبيرة أصبحت تعد مئات الألوف، فقد يصبحون إلبا عليه مع جيرانه الذين كانت تقوم بينهم وبين الفراعنة الحروب، فإبتكر عندئذ طريقة جهنمية خبيثة.

للقضاء على الخطر الذي يتوقعه من هذه الطائفة التي لا تعبده ولا تعتقد بألوهيته، تلك هي تسخيرهم في الشاق الخطر من الأعمال، وإستذلالهم وتعذيبهم بشتى أنواع العذاب، وهذا ما كان يصنعه تلاميذ فرعون في الزمن البائد في عصر المخلوع فشغلوا الناس في لقمة العيش حتى أصبح الحصول علي وظيفة أسمي ما يصل إليه شاب وكان رب البيت يعمل في وظيفتين أو أكثر ليسد أفواها ويداوى جراحا، ولكن الله يريد غير ما يريد فرعون ويقدر غير ما يقدر الطاغية، والطغاة البغاة تخدعهم قوتهم وسطوتهم وحيلتهم، فينسون إرادة الله وتقديره ويحسبون أنهم يختارون لأنفسهم ما يحبون ويختارون لأعدائهم ما يشاءون، ويظنون أنهم على هذا وذاك قادرون، والله يعلن هنا أرادته هو، ويكشف عن تقديره هو ويتحدى فرعون وهامان وجنودهما، بأن إحتياطهم وحذرهم لن يجديهم فتيلا.

فهؤلاء المستضعفون الذين يتصرف الطاغية في شأنهم كما يريد له هواه البشع النكير، فيذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ويسومهم سوء العذاب والنكال، وهو مع ذلك يحذرهم ويخافهم على نفسه وملكه فيبث عليهم العيون والأرصاد بأجهزة أمن دولته ونظامه، ويتعقب نسلهم من الذكور فيسلمهم إلى الشفار كالجزار، وهؤلاء المستضعفون يريد الله أن يمن عليهم بهباته من غير تحديد وأن يجعلهم أئمة وقادة لا عبيدا ولا تابعين، ولكن قوة فرعون وجبروته وحذره ويقظته لا تغني عنه شيئا، بل لا تمكن له من موسى الطفل الصغير، المجرد من كل قوة وحيلة وهو في حراسة القوة الحقيقية الوحيدة ترعاه عين العناية وتدفع عنه السوء وتعمي عنه العيون وتتحدى به فرعون وجنده تحديا سافرا، فتدفع به إلى حجره وتدخل به عليه عرينه، بل تقتحم به عليه قلب امرأته وهو مكتوف اليدين إزاءه.

مكفوف الأذى عنه، يصنع بنفسه لنفسه ما يحذره ويخشاه ويتجلى عجز قوة فرعون وحيلته وحذره عن دفع القدر المحتوم والقضاء النافذ فيقول الله تعالي ” ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ” ودلت هذه السورة وتلك القصة على أنه حين يتمحض الشر ويسفر الفساد ويقف الخير عاجزا والصلاح حسيرا ويخشى من الفتنة بالبأس والفتنة بالمال وعندئذ تتدخل يد القدرة سافرة متحدية بلا ستار من الخلق، ولا سبب من قوى الأرض، لتضع حدا للشر والفساد، والشر حين يمتحض يحمل سبب هلاكه في ذاته والبغي حين يتمرد لا يحتاج إلى من يدفعه من البشر، بل تتدخل يد القدرة وتأخذ بيد المستضعفين المعتدى عليهم، فتنقذهم وتستنقذ عناصر الخير فيهم، وتربيهم وتجعلهم أئمة وتجعلهم الوارثين، وتبدأ القصة بوحي الله لأم موسي أن تأخذ بالأسباب.

حتى وإن كانت واهية وتتوكل وتسلم أمرها لخالق الأسباب وعندئذ فلا خوف ولا حزن لأن للكون ربا يدبر شئونه وله إرادة نافذة لا تغلب ومع ذلك البشارة برده إلي أمه وفوقه أنه من المرسلين، وهنا ينصر الله الحق بتسخير فرعون وجنده وقصوره وأمواله لإحقاق الحق وإزهاق الباطل ففرعون هو من يحرص علي تربية موسي ودفع الأجرة لأمه علي إرضاعه.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *