مقال

الضوضاء الخطر غير المرئي الذي يهدد صحة المجتمع واستقراره


هاله المغاورى فيينا
لم تعد الضوضاء مجرد إزعاج يومي عابر يمكن احتماله، بل تحولت إلى أحد أخطر أشكال التلوث البيئي التي تتسلل إلى حياة الأفراد بصمت، تاركة آثارًا صحية ونفسية واجتماعية عميقة. ففي المدن الكبرى، أصبحت أصوات السيارات، وأعمال البناء، والمكبرات الصوتية، والمنبهات المرتفعة جزءًا من المشهد اليومي، ما يجعل الهدوء سلعة نادرة في حياة كثيرين.


تشير دراسات طبية عديدة إلى أن التعرض المستمر للضوضاء يرفع مستويات التوتر في الجسم، ويؤدي إلى إفراز هرمونات مرتبطة بالإجهاد، ما يزيد من احتمالات الإصابة بارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب. كما ترتبط الضوضاء المزمنة باضطرابات النوم، وهو ما ينعكس بدوره على التركيز، والقدرة على العمل، والحالة المزاجية العامة.


ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ يمكن أن يؤدي التعرض الطويل للأصوات المرتفعة إلى ضعف السمع أو فقدانه تدريجيًا، خاصة لدى العاملين في بيئات صناعية أو صاخبة دون وسائل حماية كافية.


الضوضاء المستمرة تؤثر بشكل مباشر على الصحة النفسية، حيث تزيد من معدلات القلق والعصبية وسرعة الانفعال. وفي الأحياء المكتظة، قد تكون الأصوات المرتفعة سببًا مباشرًا في نشوب الخلافات بين الجيران، ما يضعف الروابط الاجتماعية ويخلق بيئة متوترة.


كما يتأثر الطلاب بشكل خاص بهذه الظاهرة، إذ يؤدي غياب الهدوء إلى تراجع مستوى التركيز والتحصيل الدراسي، بينما تتأثر بيئات العمل سلبًا بانخفاض الإنتاجية وارتفاع معدلات الإجهاد.


رغم أن الضوضاء لا تُرى، فإن كلفتها الاقتصادية ملموسة. فضعف الإنتاجية، وارتفاع تكاليف العلاج، وانخفاض قيمة العقارات في المناطق المزدحمة صوتيًا، كلها نتائج مباشرة لهذا النوع من التلوث. ومع التوسع العمراني غير المنظم، تتفاقم المشكلة عامًا بعد عام.


مواجهة الضوضاء ليست مسؤولية فردية فقط، بل تتطلب تدخلًا تشريعيًا وتنظيميًا واضحًا، مع تفعيل الرقابة على مصادر الإزعاج، وتحديد أوقات ملزمة لأعمال البناء والمناسبات الصاخبة. كما أن نشر ثقافة احترام الهدوء يُعد عنصرًا أساسيًا في بناء مجتمع أكثر توازنًا.


التخطيط العمراني السليم، واستخدام مواد عزل صوتي في المباني، وتطوير وسائل نقل أقل ضجيجًا، كلها خطوات يمكن أن تسهم في تقليل حدة الأزمة.


في النهاية، قد تبدو الضوضاء أمرًا اعتياديًا في حياة المدن الحديثة، لكنها في حقيقتها خطر صامت يتسلل إلى صحة الإنسان واستقرار المجتمع. ومع تزايد معدلات التمدّن، يصبح التعامل الجاد مع هذه الظاهرة ضرورة لا رفاهية.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *