الرافعي.. وقراءة التاريخ بعيون اللغةالرافعي.. وقراءة التاريخ بعيون اللغة

بقلم :
د كامل عبد القوى النحاس
ليس كل تاريخ يُكتب بالأرقام والتواريخ، ولا كل حضارة تُقاس بما شيدته من قصور أو فتحته من بلدان.
فهناك أمم دخلت التاريخ بالسيف ثم خرجت منه، وأخرى بقيت حية لأن لها لسانًا حفظ روحها قبل أن يحفظ أخبارها.
ومن هنا يبدأ مصطفى صادق الرافعي رحلته في كتابه «تاريخ آداب العرب».
فهو لا ينظر إلى الأدب على أنه صفحات من الشعر والنثر، ولا إلى التاريخ على أنه سرد للوقائع، بل يرى أن تاريخ العرب الحقيقي هو تاريخ لغتهم؛ لأنها كانت القوة التي جمعت القلوب، ووحدت العقول، وصاغت هوية أمة امتد أثرها شرقًا وغربًا.
لقد آمن الرافعي بأن الكلمة تسبق الحركة، وأن الفكرة تسبق الدولة، وأن الأمم لا ترتفع إلا إذا ارتفع لسانها.
فاللغة في نظره ليست أداة للتخاطب، وإنما هي الوعاء الذي يحمل العقيدة، ويحفظ القيم، ويورث الحضارة جيلاً بعد جيل.
ومن أجل ذلك رفض أن يُختزل تاريخ العرب في أخبار الخلفاء أو المعارك، لأن هذه الأحداث ــ على أهميتها ــ ليست سوى ثمار لشجرة أعمق جذورًا، هي شجرة البيان العربي.
فالسيادة تبدأ من الكلمة، والانهيار يبدأ يوم تضعف اللغة، لأن الأمة التي تفقد احترامها للسانها تفقد شيئًا فشيئًا احترامها لتاريخها، ثم لهويتها، ثم لمكانتها بين الأمم.
ولعل هذا ما يفسر عناية العرب المبكرة بالتدوين.
فقد أدركوا أن الذاكرة قد تخون أصحابها، أما الكتاب فيحفظ ما لا تحفظه الصدور. ولذلك نشأت حركة علمية هائلة لحفظ الشعر، وجمع الأخبار، وتقعيد اللغة، وتوثيق الروايات، حتى غدت المكتبة العربية واحدة من أعظم مكتبات الحضارة الإنسانية.
ولا يرى الرافعي في هذا الجهد مجرد نشاط علمي، بل مشروعًا حضاريًا لحماية الأمة من النسيان. فالكتاب عنده ليس ورقًا، وإنما حصن للهوية، وسجل للذاكرة، وضمان لاستمرار الحضارة مهما تغيرت الأزمنة.
ثم يقف طويلًا أمام الشعر العربي، ذلك الذي سماه الأقدمون بحق “ديوان العرب”.
فالشعر لم يكن وسيلة للتسلية، وإنما كان مدرسة للأخلاق، وسجلًا للأيام، ولسانًا للقبيلة، ومرآة للمجتمع.
كانت القصيدة ترفع شأن قوم، أو تدافع عن مظلوم، أو تغرس قيمة، أو تحفظ حدثًا، حتى أصبحت جزءًا من تكوين الشخصية العربية.
ومن هنا يرى الرافعي أن الشعر أدى دورًا يتجاوز حدود الفن؛ إذ حفظ اللغة في أنقى صورها، وظل معيار الفصاحة بعد اختلاط العرب بالأمم الأخرى، فكان حارسًا للعربية كما كان حافظًا لذاكرة الأمة.
ويتوقف الرافعي كذلك عند معركة الشعوبية، لكنه لا يقرؤها بوصفها خلافًا بين أجناس أو شعوب، بل باعتبارها صراعًا حول الهوية الثقافية.
فحين تُستهدف اللغة، فإن المستهدف في الحقيقة هو الأمة التي تتحدث بها.
ولذلك تصدى علماء العربية وأدباؤها لكل محاولة للنيل من مكانة العربية، لأنها لم تعد لغة قوم فحسب، بل أصبحت لغة القرآن، ولسان حضارة احتضنت علوم الأمم وأضافت إليها، حتى غدت العربية لغة العلم والفكر والأدب لقرون طويلة.
ولا يغفل الرافعي جانب النثر العربي، الذي كثيرًا ما يختبئ خلف شهرة الشعر.
فالرسائل السلطانية، وكتب الدواوين، وأدبيات الإدارة، لم تكن مجرد نصوص رسمية، بل كانت تعكس هيبة الدولة، وتنظم شؤونها، وتؤكد حضورها السياسي والحضاري.
ولهذا لم يكن كبار الكُتاب، كعبد الحميد الكاتب والجاحظ وغيرهما، مجرد صناع بلاغة، وإنما كانوا شركاء في صناعة العقل الإداري للدولة الإسلامية، يسهمون بالقلم كما يسهم القادة بالسيف.
ومن أبلغ ما قاله الرافعي في هذا السياق عبارته الشهيرة: «اللغة هي الأمة في روحها، فإذا فنيت اللغة فنيت الأمة، وإذا استعلت اللغة استعلت الأمة.»
وهذه الكلمات ليست عبارة أدبية عابرة، بل هي مفتاح لفهم مشروعه الفكري كله.
فاللغة عنده ليست تراثًا يُحفظ في الكتب، وإنما قوة تُصنع بها الحضارات، ويُبنى بها الوعي، وتتشكل بها شخصية الإنسان. ولهذا كان يرى أن الدفاع عن العربية دفاع عن الذاكرة، وعن الهوية، وعن المستقبل في آنٍ واحد.
ومن هنا فإن قراءة «تاريخ آداب العرب» ليست رحلة في الماضي، وإنما هي مراجعة لأسس النهضة.
فالرافعي يريد أن يقول إن الأمة التي تعرف قيمة لغتها، وتحسن صلتها بتراثها، وتقرأ تاريخها قراءة واعية، تملك من أسباب النهوض ما يجعلها قادرة على صناعة مستقبلها.
لقد كتب الرافعي تاريخ الأدب، لكنه في الحقيقة كان يكتب تاريخ الروح العربية؛ روحٍ صنعت من الكلمة حضارة، ومن البيان هوية، ومن اللغة جسرًا عبرت عليه إلى العالمية.
ولهذا يبقى هذا الكتاب شاهدًا على حقيقة لا يغيرها الزمن:
أن الأمم قد تخسر أرضًا فتستردها، وقد تضعف اقتصادًا فتقويه، لكنها إذا فرطت في لغتها، فقد فرطت في قلبها النابض، وفي سر بقائها بين الأمم.