مقال

الحياة بين الجهاد والصبر


محمود سعيد برغش
يقول الله تعالى:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (البلد: 4).
أي في مشقة ومعاناة، في تعبٍ وسعيٍ دائم.
ويقول سبحانه:
﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (الأنبياء: 35).

فالحياة ليست سكونًا، بل امتحانًا مستمرًا، تتقلّب فيه القلوب بين رجاءٍ وخوف، وبين فقدٍ وأمل.

ولذلك كان النبي ﷺ يقول:
«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير… إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له» (رواه مسلم).

إنه جهاد النفس قبل كل شيء؛ جهاد الصبر، وجهاد الرضا، وجهاد الثبات.

الجهاد في التفاصيل الصغيرة

الجهاد ليس فقط في ميادين القتال، بل كما قال أهل العلم:
هو مجاهدة النفس على طاعة الله، وكفّها عن المعصية، وحملها على الصبر على أقدار الله.

قال الحسن البصري رحمه الله:
“أفضل الجهاد جهادك هواك.”

وقال ابن القيم رحمه الله:
“جهاد النفس مقدَّم على جهاد العدو، فمن لم يجاهد نفسه أولًا ليجاهدها على فعل المأمور وترك المحظور، لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج.”

نُجاهد في بيوتنا حين نختار الحِلم بدل الغضب،
نُجاهد في أعمالنا حين نصبر على الضغوط،
نُجاهد في علاقاتنا حين نغفر رغم الألم،
نُجاهد في طلب الرزق حين نرفض الحرام ونرضى بالحلال.

قال تعالى:
﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِزْقِهِ﴾ (الملك: 15).
السعي جهاد، والرزق امتحان.

نظرة الصحابة والخلفاء للحياة . كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:
“إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة.”
فالركود ليس من منهج المؤمن.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد.”
فلا حياة بلا صبر، ولا صبر بلا مجاهدة.

وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يرى أن أعظم القوة في الثبات عند الفتن، لذلك ثبت يوم الردة حين تزلزلت القلوب.

إنهم فهموا أن الحياة ليست طريقًا مفروشًا بالورود، بل طريق ابتلاءٍ وامتحان، وأن النجاة في الصبر والثبات.

لماذا لم نعد نبحث عن العظمة؟

لأننا أدركنا معنى قوله تعالى:
﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ﴾ (يونس: 25).

فالسلام هو الغاية، لا الضجيج.
الطمأنينة هي الكنز، لا المظاهر.
راحة القلب أهم من زخرف الدنيا.

قال رسول الله ﷺ:
«ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس» (رواه ابن ماجه).

ولهذا لم نعد نطلب الكثير…
بل نطلب بيتًا هادئًا، قلوبًا صافية،
رزقًا حلالًا مباركًا، وتوفيقًا من رب العالمين.

الفقهاء والعلماء: الحياة دار عمل لا دار جزاء

أجمع أهل العلم أن الدنيا دار تكليف، والآخرة دار جزاء.
قال الإمام الشافعي رحمه الله:
“الدنيا دار ابتلاء، والآخرة دار جزاء، فمن لم يصبر على بلاء الدنيا لم ينل نعيم الآخرة.”

وقال سفيان الثوري:
“الزهد في الدنيا قِصَر الأمل.”

فمن فهم طبيعة الدنيا، لم يُصدم بكثرة أوجاعها، ولم ينتظر منها كمالًا.

الجهاد الهادئ نعم…
لا يوم يمر بسهولة مطلقة،
ولا طريق يخلو من العثرات،
لكن المؤمن لا يقيس حياته بكمّ التعب، بل بكمّ القرب من الله.

قال تعالى:
﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 6).

ليس بعد العسر فقط… بل معه.

ولهذا صرنا لا نبحث عن الأشياء العظيمة بقدر ما نبحث عن الأشياء الصادقة.
عن قلوب مطمئنة.
عن سجدة خاشعة.
عن دعوة صادقة في جوف الليل.
عن سلامٍ داخليّ لا يشتريه مال.

هي حقًا حياة جهاد…
لكنها جهادٌ يُثمر نورًا،
وصبرًا يُثمر سكينة،
وتعبًا يُثمر أجرًا.

نسأل الله أن يجعل جهادنا في هذه الدنيا سببًا لسلامٍ أبديّ في الآخرة،
وأن يرزقنا الطمأنينة،
والرضا،
والتوفيق من رب العالمين.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *