مقال

الجدلية الثلاثية بين الإنسان والبيئة والتنمية


بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله الذي خلق الإنسان وكرّمه، وسخّر له ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه، وأمره بالإعمار لا الإفساد، وبالحفاظ لا التخريب، وبالرحمة لا التعدّي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد فيا عباد الله، اتقوا الله حق تقاته، وراقبوه في كل تصرفاتكم، فأنتم مستخلفون في الأرض، ممتحنون بما جعلكم الله عليه من النعم ثم أما بعد لقد حرم ديننا الإسلامي الحنيف الإفساد في الأرض، ونهى عن التخريب الذي يتسبب فيه الإنسان للبيئة السليمة ككل، وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد فضّل الإنسان على سائر المخلوقات، وسخّرها لخدمته، ومكّنه من الإنتفاع بها طبقا لمقتضيات قانون التسخير الإلهي المركزي، فلا جرم أن الله تعالى قد أوجدها على هيئة من التوازن الكلي.

على قاعدة ” وأنبتنا فيها من كل شيء موزون ” لتسهيل استعماره لها، ويقول تعالي ” هو أنشأكم من الأرض وأستعمركم فيها ” وتمكينه من إدارة أمور الحياة على أفضل نحو، في الوقت الذي يشارك الإنسان على هذه المعمورة مخلوقات وكائنات أخرى، ومن ثم فإن عليه وفقا لمعيار الاستخدام الرشيد حيث يقول تعالي ” وكان بين ذلك قواما ” وأن يتولى إدارة بيئته برشد تام وأن يتجنب العبث بمكوناتها، ويتفادى سوء الإستخدام، وأن يتحاشى كل ما من شأنه الإخلال بالتوازن البيئي على طول الخط، راهنا ومستقبلا، لذلك حرص الإسلام على ضرورة الالتزام بحماية البيئة بمعيار “النظافة من الإيمان” كقانون عام في السلوك العملي، ومراعاة تجنب إفسادها وتلويثها تنفيذا لمعيار ” إن الله لا يضيع عمل المفسدين ” وذلك بدءا من مسلك إماطة الأذى عن الطريق.

وإنتهاء بتحوطات تحصين الفضاء والبحار منه على قاعدة ” ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ” ومن هنا نتلمس سبق التصور الحضاري العربي الإسلامي الشامل لإستراتيجية الحفاظ على علاقة مثالية لجدلية ثلاثية، الإنسان والبيئة والتنمية في وقت مبكر، وعلى قاعدة الوقاية خير من العلاج، في الوقت الذي لم يحظ هذا الموضوع الحيوي بالإهتمام في حضارة الغرب المادية المعاصرة، إلا في الفترة الأخيرة، عندما بدأ العالم يقلق جديا من الآثار السلبية للإنسان على البيئة بتداعيات التلوث بالإنبعاثات، والمخلفات الصناعية الضارة، حيث قررت الجمعية العامة عقد مؤتمر للأمم المتحدة حول البيئة البشرية في مدينة استوكهولم من عام ألف وتسعمائة واثنين وسبعين ميلادي لحماية وتحسين البيئة البشرية، ويلاحظ أن الخطوط العامة لإستراتيجية الحلول المقترحة.

المعاصرة التي جاءت لاحقا، بعد الشعور بأهمية مكافحة التلوث للحفاظ على سلامة البيئة وقد إهتمت بالآليات التي تؤتي ثمارها على المدى البعيد، كإشاعة مفهوم التنمية المستديمة، الذي يركز على الإبقاء على دورة الطبيعة، وتجددها عبر قانون التوازن الطبيعي لها حيث إن وقاية البيئة من التلوث، والحد من تدهورها يعد أقل كلفة، وأجدى نفعا من إصلاحها فيما بعد، وبذلك عمدوا إلى إعتماد الإعتبارات البيئية، وتقييم جدواها في جميع مراحل التخطيط ومستوياته، بعدما كانت دراسات الجدوى فنية وإقتصادية فحسب، وهو إستلهام واضح، إن لم يكن نسخا مباشرا، لنهج المعالجة الإسلامية السباقة في هذا المجال، نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي سيد المرسلين، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *