مقال

الامتنان… أول ما يموت في الروح عند المقارنة

بقلم دكتوره فاطمه على

قبل المقارنة كنت ممتنًا لنعمة السكن، ثم رأيت من يسكن في فيلا. قبل المقارنة كنت ممتنًا لعملك، ثم رأيت من يعمل عن بُعد ويسافر. قبل المقارنة كنت ممتنًا لصحتك، ثم رأيت أجسادًا مثالية على الشاشات. قبل المقارنة كنت ممتنًا لعلاقتك، ثم رأيت قصة حب مصوّرة وكأنها فيلم.

فجأة يصبح ما لديك بلا قيمة.

وهنا تظهر أخطر حقيقة: المقارنة لا تسرق ما لديك، بل تسرق قدرتك على تقديره.

يقول الكاتب ج. ك. تشيسترتون: «الامتنان ليس مجرد فضيلة، بل هو أم جميع الفضائل.»

ويقول الشاعر الإنجليزي ويليام ووردزوورث: «البسيط الذي نملكه، إذا قُدِّر بامتنان، يصبح كنزًا.»

الامتنان ليس رفاهية أخلاقية، بل هو شرط نفسي للاستقرار. من يفقد الامتنان يتحول إلى إنسان جائع مهما امتلك، لأنه لم يعد يرى ما في يده إلا من خلال عيون الآخرين.

لماذا يشعر الإنسان بالقهر رغم أن حياته جيدة؟

لأن الإنسان لا يتألم من الواقع بقدر ما يتألم من تفسيره للواقع

وكذلك الإنسان: كثير من الناس لا ينهارون لأن حياتهم صعبة، بل لأنهم يعيشون حياة متوسطة في عالم يعرض عليهم حياة مثالية كل يوم. عالم يصرخ في وجهك بأنك متأخر، وبأن ما تملكه لا يكفي، وبأن ما تعيشه ليس حياة تستحق.

المقارنة تجعل الإنسان يعيش إحساس الظلم حتى لو لم يظلمه أحد. إنه يظلم نفسه بنفسه، ويحوّل حياته إلى محاكمة داخلية لا تتوقف.

يقول الروائي ليو تولستوي: «كل العائلات السعيدة متشابهة، لكن كل عائلة تعيسة هي تعيسة بطريقتها الخاصة.»

هذه العبارة تكشف معنى أعمق: السعادة ليست قالبًا يُنسخ، وليست نموذجًا واحدًا. لكن المقارنة تجعلنا نتصرف وكأن هناك «وصفة موحدة» للسعادة، ومن لا يملكها فهو فاشل.

الجانب الاجتماعي: كيف تحولت المقارنة إلى ثقافة؟

في الماضي، كان نطاق المقارنة محدودًا: الجيران، والأقارب، وزملاء العمل. أما اليوم، فأنت تقارن نفسك بالعالم كله. أنت لا تقارن حياتك بأشخاص قريبين منك فقط، بل تقارنها بأشخاص لا تعرفهم أصلًا، لكنهم يعرضون عليك أفضل لحظاتهم وكأنها حياتهم الدائمة.

ثم تأتي الثقافة الاجتماعية لتزيد الضغط:

«ماذا تعمل؟» «كم راتبك؟» «متى ستتزوج؟» «لماذا لم تشترِ بيتًا؟» «لماذا لا تسافر مثل فلان؟»

وكأن الإنسان لا يحق له أن يكون إنسانًا إلا إذا كان مشروعًا مستمرًا لإثبات نفسه.

يقول عالم النفس الاجتماعي ليون فيستنغر (صاحب نظرية المقارنة الاجتماعية): «المقارنة الاجتماعية آلية طبيعية، لكن عندما تصبح معيارًا دائمًا للقيمة الذاتية، تتحول إلى سجن نفسي.»

وهذا هو واقعنا: المقارنة تحولت من ميل طبيعي إلى «ثقافة كاملة» تُدار عبر الإعلام والإعلانات ووسائل التواصل الاجتماعي، حتى صار الإنسان يشعر بالذنب إذا عاش حياة عادية.

المقارنة تقتل الرضا… والرضا يحتاج معنىً، لا جمهورًا

الرضا الحقيقي لا يعني التخلي عن الطموح، بل يعني ألّا تكره نفسك أثناء الطريق. أن تسعى إلى الأفضل دون أن تحتقر الحاضر.

لكن المقارنة تدمّر هذا التوازن.

تجعلك تسعى إلى النجاح ليس بدافع التطور، بل بدافع الهروب من الإحساس بالدونية. تريد المال ليس لأنك تحتاجه، بل لأنك تخشى نظرة الآخرين. تريد الشهرة ليس لأنك تريد التأثير، بل لأنك تريد أن تشعر بأنك مرئي. تريد الزواج ليس لأنك مستعد، بل لأنك لا تريد أن تبدو متأخرًا. تريد الإنجاز لأنك تريد أن تثبت شيئًا، لا لأنك تريد أن تعيش.

وهنا تتحول الحياة إلى مطاردة مرهقة.

يقول الشاعر الفارسي عمر الخيام (بترجمة شائعة لمعناه): «كن سعيدًا بهذه اللحظة، فهذه اللحظة هي حياتك.»

فالحياة ليست في المستقبل الذي تتخيله، بل في الحاضر الذي تدمّره المقارنة.

كيف نستعيد تقدير الذات بعد أن سرقته المقارنة؟

استعادة تقدير الذات تبدأ بالاعتراف أن كثيرًا من ألمنا ليس ألمًا حقيقيًا، بل ألمًا مقارنًا. نحن لا نحزن لأن حياتنا سيئة، بل لأننا رأينا حياة شخص آخر «تبدو» أفضل.

ثم تبدأ استعادة المعيار الداخلي. بدلًا من أن تسأل: هل أنا أفضل من فلان؟ اسأل: هل أنا أفضل من نفسي قبل سنة؟

بدلًا من أن تسأل: لماذا حياتي ليست مثلهم؟ اسأل: هل حياتي تشبهني أنا؟

بدلًا من أن تقول: هم يعيشون أفضل. قل: هم يعيشون حياتهم… وأنا يجب أن أعيش حياتي.

ثم تأتي الخطوة الأهم: إعادة تعريف النجاح. النجاح ليس قالبًا عالميًا. ليس سيارة، ولا منزلًا، ولا وظيفة مرموقة، ولا عدد متابعين. النجاح قد يكون بيتًا هادئًا، أو صحة جيدة، أو علاقة مستقرة، أو طفلًا سعيدًا، أو عقلًا لا ينام وهو مثقل بالديون، أو قلبًا لا يحمل حقدًا.
بقلم دكتوره فاطمه على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى