
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا محمد وعلى آله وصحبه، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد اعلموا يرحمكم الله أن الحاجة العظيمة ماسّة إلى بناء أنفسنا، وتأسيسها على تقوى من الله ورضوان، أشد من الحاجة إلى الطعام والشراب والكساء، وذلك لكثرة الفتن والمغريات وأصناف الشهوات والشبهات ولكثرة حوادث النكوص على الأعقاب، والإنتكاس، والإرتكاس حتى بين بعض العاملين للإسلام، مما يحملنا على الخوف من أمثال تلك المصائر، فها هو نبي الله يوسف عليه السلام في عنفوان شبابه، تخرج إليه امرأة العزيز الجميلة، بأبهى حُلة، متعطرة، متبهرجة، مبدية لمفاتنها، قد غلقت الأبواب.
ودعته بصريح العبارة ، فقالت ” هيت لك ” أقبل ” قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي” ولم تقتصر الفتنة عند ذلك بل إزدادت سعيرا حين شملت نساء علية القوم حين أعجبن بيوسف عليه السلام وفُتنّ برجولته وجماله فأخذن يطاردنه، ويردنه أن يعمل بهن الفاحشة، وتبلغ الأمور ذروتها يوم تأتي امرأة العزيز تهدده، وتقول ” ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين ” فماذا رد فقال ” قال رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ” فإنه ثبات أنبياء الله تعالي أمام الشهوات وأمام التهديدات، عليهم صلوات الله وسلامه، وهم الأسوة والقدوة، إنه الثبات بكل معانيه، والثبات بكل مبانيه أمام الشهوات وأمام الشبهات، والذي لا يوفق له إلا من علم صدقه رب الأرض والسماوات، وها هو مجاهد وهو جريح من جرحي أُحد به سبعون ضربة.
ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم، لم يبقى له في هذه الدنيا وما فيها من أهل ومال ومتاع إلا لحظات، فيما كان يفكر هذا الشخص؟ وما الذي كان يشغل باله؟ فاسمع ما رواه الحاكم عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال “بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد لطلب سعد بن الربيع رضي الله عنه وأرضاه في القتلى، وقال لي إن رأيته فأقرئه مني السلام، وقل له يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني كيف تجده؟ قال زيد فجعلت أبحث عنه في القتلى، فأصبته وهو في آخر رمق، به سبعون ضربة ما بين طعنة رمح، وضربة سيف، ورمية سهم، فقلت له يا سعد إن رسول الله يقرئك السلام، ويقول أخبرني كيف تجده؟ قال وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام وعليك السلام، قل له إني والله لأجد رائحة الجنة ليس هذا موضع الشاهد، ولكن اسمع ماذا قال؟
وقل لقومي الأنصار لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف ثم فاضت روحه رحمه الله” وقد ثبت سعد، وعلَّم غيره دروس الثبات وهو يودّع الدنيا، ما أوصى بأهل، وما أوصى بمال، كان همّه أعلى وأغلى وأحلى، همّه الرسالة، والرسول صلى الله عليه وسلم فرضي الله عنه وأرضاه، وجعل الجنة مأوانا ومأواه، وهذه سمة المؤمنين، الإطمئنان إلى الله يملأ نفوسهم فيبنيها، يحرك جوارحهم فيقوّيها، لا يستمدون تصوراتهم وقيمهم وموازينهم من الناس، وإنما يستمدونها من رب الناس، وهذا هو الصنف الأول من الناس ممن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان، هامات لا تنحني، وقامات لا تنثني، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل هذا الصنف، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، ونسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، برحمتك يا أرحم الراحمين.

