بقلم/نشأت البسيوني
في زحمة الحياة التي تتراكم فيها الاعباء وتتداخل فيها الاصوات يكتشف الانسان ان سر القوة الحقيقي لا يكمن في الصراخ ولا في الظهور المتكرر ولا في محاولات اثبات الذات امام الآخرين بل يكمن في اتزان الروح تلك الحالة العميقة التي تجعل الانسان واقفا بثبات مهما تغيرت الدنيا حوله ومهما اضطربت التفاصيل الصغيرة التي تحاول ان تشتت تركيزه فالاتزان ليس هدوءا سطحيا انما هو فهم
عميق لطبيعة الطريق ووعي تام بالخطوات التي يجب اتخاذها دون ان يفقد الانسان نفسه في الفوضى وعندما يمتلك الانسان روحا متزنة يصبح قادرا على رؤية الامور بوضوح وقادرا على التفريق بين ما يستحق اهتمامه وما يستحق تجاهله وبين ما يبني وما يهدم حينها لا يعود يتأثر بكلمة عابرة ولا يتغير مزاجه بسبب موقف مؤقت ولا يهتز امام رأي حاد لان داخله اقوى بكثير من
الخارج ولان ثقته بنفسه لا تعتمد على تصفيق ولا تتأثر بانتقاد بل تعتمد على حقيقة راسخة تقول ان الانسان يعرف قيمته قبل ان يخبره بها الآخرون الاتزان يجعل الانسان اكثر قدرة على مواجهة الضغوط اليومية واكثر قدرة على التعامل مع الناس بصبر وروية لان الروح المتزنة لا تندفع ولا تتسرع ولا تتخذ قرارا في لحظة غضب بل تقف بهدوء وتمنح نفسها الوقت اللازم لتفهم ما يجري
حولها وتحدد الخطوة التالية بحكمة ورؤية وكلما زاد الاتزان زادت هيبة الانسان وازدادت حكمته وقلت اخطاؤه لان القرار الذي يخرج من روح مستقرة يكون اقرب الى الصواب مهما كان الطريق معقدا
وهناك لحظات كثيرة في الحياة يثبت فيها الاتزان قيمته الحقيقية حين يقف الانسان في منتصف عاصفة لا يعرف نهايتها ولا يملك خيارا سوى الصمود وحين يشعر بالغضب يشتعل داخله لكنه يختار
الهدوء وحين يتعرض لاستفزاز واضح لكنه يقرر ان يرتفع فوق مستوى الموقف تلك اللحظات لا يراها الناس ولا يعرفون ما دار داخل الروح لكنها هي التي تصنع الفرق بين انسان يقوده الغضب وانسان يقوده العقل وبين شخص يتشتت مع كل موجة وشخص ثابت كالصخرة لا تهزه الرياح وفي كل علاقة انسانية يظهر الاتزان كقيمة عليا فهو الذي يجعل الانسان قادرا على التعامل بكرامة
ويحميه من الانجراف خلف ردود الفعل السريعة ويجعله يحافظ على هيبته حتى في اكثر المواقف حساسية فالروح المتزنة لا ترفع صوتها ولا تبحث عن الانتصار اللحظي بل تبحث عن السلام الداخلي الذي لا يهدأ الا عندما يعرف الانسان انه تصرف بما يناسب قيمه ومبادئه وليس بما يناسب لحظة غضب عابرة ومع مرور الزمن يصبح الاتزان تاجا غير مرئي يميز صاحبه ويمنحه حضورا مختلفا
وهيبة خاصة يشعر بها كل من يقترب منه لان الانسان المتزن يصبح مصدر راحة لغيره ومصدر ثقة ودعم ويصبح وجوده في اي مكان اشبه بعمود ثابت تستند عليه الاحداث دون ان يسقط او يتفكك فهو يعرف متى يتكلم ومتى يصمت ومتى يتقدم ومتى يتراجع ومتى تكون القوة في الحضور ومتى تكون القوة في تجاهل ما لا يستحق الالتفات يدرك الانسان ان اتزان الروح ليس
مهارة عابرة بل هو رحلة طويلة من الوعي والتجارب والصبر وان الوصول اليه يحتاج وقتا وجهدا لكنه في المقابل يمنح الانسان حياة اكثر هدوءا واكثر عمقا واكثر تحكما ويمنحه تلك القدرة العظيمة على السير في الطريق مهما اشتدت العواصف دون ان يفقد نفسه او كرامته او اتجاهه


