أهم القيم التي تخط مصير الأمم
بقلم/ محمـــد الدكـــروري
يقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ” إني لأمقت الرجل أن أراه فارغا ليس في شي من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة ” وروي أن أبا الدرداء رضي الله عنه وقف ذات يوم أمام الكعبة ثم قال لأصحابه ” أليس إذا أراد أحدكم سفرا يستعد له بزاد ؟ قالوا نعم، قال فسفر الآخرة أبعد مما تسافرون، فقالوا دلنا على زاده ؟ فقال ” حجوا حجة لعظائم الأمور وصلوا ركعتين في ظلمة الليل لوحشة القبور وصوموا يوما شديدا حره لطول يوم نشوره” ويقول عبد الرحمن ابن الأمام أبي حاتم الرازي ” ربما كان يأكل وأقرأ عليه ويمشي وأقرأ عليه ويدخل الخلاء وأقرأ عليه ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه ” فكانت ثمرة هذا المجهود وهذا الحرص على إستغلال الوقت كتاب الجرح والتعديل في تسعة مجلدات وكتاب التفسير في مجلدات عدة وكتاب السند في ألف جزء.
وإن من القيم التي يجب على التربية الإسلامية إحيائها في الأمة، قيمة العمل، ذلك أن العمل من أهم القيم التي تخط مصير الأمم في الإطار الحضاري، فإذا تلقت الأمة دروس العمل قبضت على عصا التاريخ وهذا يضع على التربية الإسلامية مسؤولية أن تجتهد في تنمية حب العمل، وجعله من محاور القيم في الأمة، ولا بد للتربية الإسلامية أن تنفر من العجز والكسل وتزكي القيم من المفاهيم الخاطئة للزهد، التي عززت الرضى بالفقر، وجعلته من سمات الصلاح والصالحين، فالمؤمنون مدعوون في القرآن الكريم للسعي في مناكب الأرض لجمع المال، فإذا جمعوه بالأساليب المشروعة الكريمة، زهدوا به، فأنفقوه وانتفعوا به، ونفعوا غيرهم بالأساليب المشروعة، التي تحفظ الكرامات، ولا توقع تحت ضغوط الفاقة والحاجة، فهذا هو مفهوم الزهد الذي وجه إليه رسول الله.
صلى الله عليه وسلم حين علم أصحابه أن الزهد ليس بإضاعة المال، وتحريم الحلال، وإنما الزهد أن يكون المؤمن أوثق بما في يد الله مما في يده فيعتدل في جمعه، ويسهل عليه لإنفاقه، ولذلك كانت قيمة العمل واضحة تماما للجيل الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وسلم على عينه، الذين كانوا يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، ويعدون في الوقت ذاته الكدح وهو العمل في واقع الحياة هو العبادة الدائمة التي يقوم بها المسلم، والتي يتزود من أجل القيام بها، بذلك الزاد الروحي العميق الذي تمنحه إياه الشعائر التعبدية، حين يقوم بها على صورتها الحقة من الخلوص إلى الله، والتجرد إليه، والخشوع والخشية والإخبات، وإن من منهج التربية الإسلامية أنه لا تعدو أن تكون منبهات ومثيرات للذين سوف يختارهم الله للقيام بهذا الدور العظيم وهو التربية الشاملة وإحياء الأمة.
ولا بد لنا هنا أن نؤكد أن الكلمات بذاتها إن نطقت أو كتبت لا تحل محل الأفعال فضلا عن أن تكون هي الأفعال ذاتها ولذلك فإنه من الضروري أن تتحول كلمات منهج التربية الإسلامية الشاملة إلى حركة وعمل جاد ومتواصل لتغيير الإنسان المسلم بطريقة لا رجعة فيها من حيث عقيدته وقيمه، وأخلاقه وليكون ذلك التغيير هو مفتاح التغيير للأمة، وتصفية عقائدها وإطارها الخلقي والاجتماعي مما فيه من عوامل قتالة، ورمم لا فائدة منها، فيصفو جو الأمة للعوامل الحية والداعية للحياة ويتم إحياء الأمة وعندها ستحمل الأمة رسالتها، وستكون التربية الإسلامية الشاملة هي طريقها في كل تجمع بشري يراد إخراجه من عيادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام، ولا تستطيع الأمة الإسلامية حمل رسالتها للعالم، وإخراج من شاء الله من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.
ولا تستطيع ذلك إلا برجال من رجالها يبلغون دعوة الله، ويؤدون أمانته، ويقاتلون بمن أطاعهم من عصاهم حتى يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده؟ ولا شك أن السبيل إلى بناء هذا الصنف من الرجال وإحياء الأمة هو التربية العميقة الهادئة التي تصل بها قضايا الإسلام إلى القلوب، فتستعلي بأصحابها على الشهوات والأهواء، وتكون حركتهم طبقا لمراد الله، فيصمدون في وجه كل قوى الباطل تستهدف الإسلام وأمة الإسلام.


