بقلم / محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر الإسلامية الكثير عن الرجال ولكن ما الرجل الذي نريد ؟ فقيل كان عبد الله بن مسعود نحيفا نحيلا، فانكشفت ساقاه يوما وهما دقيقتان هزيلتان فضحك بعض الصحابة فقال الرسول “أتضحكون من دقة ساقيه؟ والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من جبل أحد” وليست الرجولة بالسن ولا بالجسم ولا بالمال ولا بالجاه، وإنما الرجولة قوة نفسية تحمل صاحبها على معالي الأمور، وتبعده عن سفسافها، قوة تجعله كبيرا في صغره، غنيا في فقره، قويا في ضعفه، قوة تحمله على أن يعطي قبل أن يأخذ، وأن يؤدي واجبه قبل أن يطلب حقه يعرف واجبه نحو نفسه، ونحو ربه ونحو بيته ودينه وأمته، وإن خير ما يقوم به المجتمع، وأعظم ما يقوم عليه منهج تعليمي، وأفضل ما تتعاون عليه أدوات التوجيه كلها من إعلام ومسجد ومدرسة هو صناعة هذه الرجولة، وتربية هذا الطراز من الرجال.
ولن تترعرع الرجولة الفارعة، ويتربى الرجال الصالحون، إلا في ظلال العقائد الراسخة والفضائل الثابتة والمعايير الأصيلة والتقاليد المرعية والحقوق المكفولة، أما في ظلام الشك المحطم، والإلحاد الكافر والإنحلال السافر، والحرمان القاتل، فلن توجد رجولة صحيحة، كما لا ينمو الغرس إذا حرم الماء والهواء والضياء، ولم ترى الدنيا الرجولة في أجلى صورها وأكمل معانيها كما رأتها في تلك النماذج الكريمة التي صنعها الإسلام على يد رسوله العظيم، من رجال يكثرون عند الفزع، ويقلون عند الطمع، لا يغريهم الوعد، ولا يلينهم الوعيد، لا يغرهم النصر، ولا تحطمهم الهزيمة، ومن المعلوم أن من أعظم أسباب إستقامة العبد في سيره إلى الله أن يكون له طاعات يلازمها، ويحافظ عليها، ويعتادها، لا يفرط فيها ولا يتهاون، ولا يتكاسل عنها، وهكذا كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم “ديمة”
أى دائما، ثابتا، مستمرا، وكان أهله إذا عملوا عملا أثبتوه، أما العادة بمعنى أن لا يشعر الإنسان بالعبادة ، فيفعلها بصورة آلية لا روح فيها، فإنه خطر ينبغي على الإنسان أن ينتبه إليه، فإن الأجر مرتب في العبادة على حضور القلب فيها، كما قال سبحانه وتعالى ” قد أفلح المؤمنون، الذين هم فى صلاتهم خاشعون” فمن المهم أن يكون القلب حاضرا في العبادة غير منشغل عنها، وقد سئل الشيخ ابن باز رحمه الله قيل له قرأت في أحد الكتب نصيحة وهي ألا تجعل من عبادة الله عادة، كيف يجعل المسلم من عبادة الله عبادة لله وليست عادة اعتادها؟ فأجاب رحمه الله، بأن المعنى لا تصلها كعادة صلها قربة، أن تتقرب بها إلى الله، ما هو من أجل العادة إذا صليت الضحى، صلها لأجل التقرب إلى الله، ما هو لأنها عادة، وهكذا إذا صليت التهجد بالليل، تصليها لأنها قربة، لأنها طاعة.
ما هو لمجرد العادة، أو لأنه فعلها أبوك أو أمك” فعلينا أن نتأسي بهدي النبي صلي الله عليه وسلم فروي عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت “كان يخيط ثوبه ويخصف نعله ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم ” رواه أحمدن وكما قال صلى الله عليه وسلم ” إن من أعظم الأمور أجرا النفقة على الأهل” رواه مسلم، والذي كان صلي الله عليه وسلم من دلائل شدة احترامه وحبه لزوجته السيدة خديجة رضي الله عنها، إن كان صلي الله عليه وسلم ليذبح الشاة ثم يهديها إلى خلائلها أي إلي صديقاتها، وذلك بعد مماتها وقد أقرت السيدة عائشة رضي الله عنها بأنها كانت تغير من هذا المسلك منه ” رواه البخاري، وكما روي عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت “خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن.
فقال للناس اقدموا فتقدموا، ثم قال صلي الله عليه وسلم لي تعالي حتى أسابقك فسبقته، فسكت عني حتى إذا حملت اللحم وبدنت خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس تقدموا فتقدموا، ثم قال لي تعالي أسابقك فسبقني، فجعل يضحك وهو يقول هذا بتلك” رواه أحمد، وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم وضع ركبته لتضع عليها زوجه صفية رضي الله عنها رجلها حتى تركب على بعيرها” رواه البخاري، ومن رحمتة صلى الله عليه وسلم، أنه عندما قيل له صلى الله عليه وسلم ادع على المشركين قال صلى الله عليه وسلم “إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة” رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم “اللهم إنما أنا بشر، فأي المسلمين سببته أو لعنته، فاجعلها له زكاة و أجرا” رواه مسلم، فاللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي آله وأصحابه أجمعين”.


