ميتامحليات وأرض نبت الهيش والهندسة السياسية نحو ديناميكية حزبية

بقلم / محمد جابر
الممر مئة واثنين وثلاثون
الممر طويل تزينت جدرانه بلافتات الديمقراطية بينما كانت الأرض تحت الأقدام تشكو من شقوق نبتت بها بعض النباتات التي تعيق الحركة وتحوي الثعابين
كل شيء بدا مرتب إلى حد الريبة عندما مررت بهم ابتسامات موزعة وتصفيق محسوب وشعارات لا تثمن من جوع فعند أول منعطف جلست البيروقراطية الحزبية فوق جبل من الملفات تتنفس التعقيدات وتوزع الوقت بين الاجتماعات التي أعدت اساسا لاعادة ترتيب ما سبق ترتيبة حتى نسيت لماذا وجدت الأحزاب أصلا
وعلى الجانب الآخر كان تاجر أنيق قالوا إنه ليس رأسمالي بالمعني المعلن بل رأسمالي خفي جاء من أجل أن يشتري المساحات بين القرار والضمير تمرس علي كيف يجعل المال يتحدث حين يصمت من ادعوا أنهم هم النخبة أو من يتصدرون المشهد العقيم
هنا صرخت ضلوعي معلنة أن الحكي بالكلمات داخل الممرات ليست للشعارات بل هي أسئلة تبحث عن وطن نعم وطن يكون أكثر اتساعا من ضيق ممر مظلم لا نري له ضوءا وطن أكثر رسوخا من هوجائية متشدقين وصفصطائية لا جدوي منها
نبحث عن حرية إعلامية مسؤولة تشمل الرأي والرأي الآخر ليست مساحة للفوضى ولا منصة للإقصاء بل هي اعتراف بأن الحقيقة لا تولد من صوت واحد وإنما من احتكاك العقول وتلاقح الأفكار فالإعلام الذي يخشى الاختلاف لا يصنع وعي وإنما يصنع بهلونات ومهرجين والإعلام الذي يحتضن التعدد يصنع مواطن قادر على التمييز لا مجرد متلق ينتظر التعليمات او رقما في سجلات أحدهم
ان عودة الحياة السياسية الحقيقية ليست عودة اللافتات ولا ازدحام المؤتمرات بل عودة السياسة إلى معناها الأول إدارة الاختلاف من أجل المصلحة العامة فحين تغيب السياسة تتقدم المصالح الضيقة وحين تعود السياسة يعود المجتمع شريكا في صناعة المستقبل لا مجرد متفرج على أحداثه
كما أن عودة الروح للأحزاب تعني أن تتحول الأحزاب من مقار مغلقة إلى مدارس لإنتاج القيادات ومن نشرات دعائية إلى معامل للأفكار فالحزب الحقيقي لا يعيش بقربه من السلطة ولا بعده عنها وإنما بقدرته على إنتاج رؤية وإقناع الناس بها
أما عن اجراء انتخابات المجالس المحلية ليس إجراء إداري بل إعادة بناء الجسر بين المواطن والدولة لأن التنمية تبدأ من الشارع قبل أن تصل إلى العاصمة منها الي الجمهورية الجديدة تحت غطاء البرلمان فالمجالس المحلية هي المدرسة الحقيقية للديمقراطية والمختبر الحقيقي للمساءلة والمشاركة وصناعة القيادات
مصر تستحق ولكن هذه الكلمة تحمل مسؤولية كبيرة لأن الاستحقاق لا يتحقق بالأمنيات والشعارات والعاطفة وإنما بالعمل والعقل الذي يحول الحلم إلى مشروع والإرادة إلى إنجاز مؤسسي
فالديمقراطية السياسية ليست صندوق اقتراع فحسب بل ثقافة تعترف بحق الجميع في الوجود والاختلاف وتؤمن بأن تداول الأفكار يسبق تداول المناصب وأن شرعية الدولة تزداد كلما اتسعت دائرة المشاركة الواعية
هنا نصل الي مفصلية الممر وهي الهندسة الحزبية حيث تصنعها الأحزاب على مقاس اللحظة في حين أنها وجدت لإعادة تصميم المجال السياسي بحيث تتوازن فيه الأفكار والبرامج والكفاءات وتصبح المنافسة قائمة على جودة المشروع لا على كثرة الشعارات
تصاحبها بالتزامن المواءمات المحلية تلك الموائمات لها القدرة على ترجمة الرؤية الوطنية إلى احتياجات كل مدينة وكل قرية لأن الوطن ليس نسخة واحدة وإنما فسيفساء من البيئات والخصوصيات وما يصلح لمكان قد يحتاج إلى صياغة مختلفة في مكان آخر مع بقاء الهدف الوطني واحدا
هنا نصل الي ميتاديناميكية حزبية تلك الحركة التي تتجاوز ظاهر الأحداث إلى فهم القوى التي تحركها إنها قراءة خلف الحركة الحزبية وللمتغيرات التي تعيد تشكيل المجتمع والسياسة والاقتصاد بصورة مستمرة ولذلك فإن من يقف عند الظاهر يفوته المستقبل
عندها تتحرك تكنوقراطية آلية العمل يعني أن الإدارة الحديثة لم تعد تعتمد على الاجتهاد الفردي وحده وإنما على استراتيجية المعرفة والبيانات والكفاءة والتخصص فالقرار الرشيد يولد من منظومة تعمل بعقل مؤسسي لا بعقل شخصي ومن آليات قابلة للتقييم والتطوير لا من ردود الأفعال
هنا اصل معكم الي السؤال الحتمي هل تريد ان نبني دولة تتحرك بالأشخاص أم بمؤسسات تعرف كيف تستمر وهل نريد ديمقراطية تزين المشهد أم وعيا يغير المشهد
فالأوطان لا تنهض حين تتفق الأصوات بل حين تتنافس العقول من أجل حقيقة واحدة هي أن مصر تستحق الأفضل دائما
ثم مررت بقصر شاهق لا يسكنه سوى أصحاب القرارات كانت نوافذه مرتفعة إلى حد لا ترى منه الشوارع وهناك أدركت أن البرجوازية ليست دائما طبقة بل قد تصبح عقل يكتب القرارات من أعلى دون أن يسمع أنين الأرض من أسفل وبالقرب من القصر وقف حراس الحرية يرددون أناشيد الليبرالية لكنهم كانوا يفتحون الأبواب لمن يشبههم فقط ويغلقونها في وجه كل من يحمل سؤال مختلف فعرفت أن الليبرالية حين تتحول إلى امتياز للنخبة تفقد معناها وتتحول إلى سور جديد يحيط بالسلطة
واصلت السير فرأيت تماثيل ضخمة كتب تحتها قامات سياسية اقتربت منها فاكتشفت أنها ليست من الرخام بل من كرتون مضلع تضخمت من اصوات أشباه المثقفين منها الي بوابة انصاف السياسيين رفعها تصفيق المغيبين .وهنا كانت أول قطرة من الحقيقة كفيلة بأذابة وإسقاط كل التماثيل
ثم دخلت ساحة امتلأت بالأعلام الملونه المتداخلة وكانت الشعارات الاشتراكية تملأ الجدران اما الموائد فكانت لا تتسع إلا لكروش بمقاسات معينه
وكان الفقراء يقفون خارج الممر يصفقون لمن يتحدث باسمهم دون أن يسمع أصواتهم وهناك رأيت تناقض عجيب وجوه تتحدث عن الثورة بعقل يخشاها وتطالب بالمستقبل وهي أسيرة الماضي فقلت في نفسي لعلها الماركسية السلفية أو الديمو إخوانية حين يصبح الاختلاف جريمة ويغدو الاجتهاد خروج على النص
وفي نهاية الممر كانت السوق أكثر ازدحاما من البرلمان تباع فيها المواقف وتؤجر المبادئ وتبدل القناعات كما تبدل اللافتات في موسم الانتخابات وكان البائعون جميعا يقسمون أنهم وحدهم حراس الوطن وإتلافه وتحالفه ودعمه بكلمات لا تتخطي الشعارات والمكاسب الفردية بينما كانت الحقيقة تقف وحيدة لا تجد من يشتريها وحين اقتربت من باب الخروج سألت الممر أين الديمقراطية أشار بأنها في المنعطف القادم فنظرت إليه فرأيت أن الديمقراطية ليست في الوجوه ولا في الشعارات ولا في الصناديق بل في الإنسان فإذا غاب الإنسان حضرت المسرحية وإذا غابت العدالة حضرت الزينة وإذا غاب الوعي تحول الوطن إلى ممر معتم يعرف الجميع كيف يدخلونه ولا يعرف أحد كيف يخرج منه



