مقال

قوة مصر.. هل تصنع السلام


دفاع عن السعودية.. وحفاظ على اليمن.. ومسعى لاستعادة الأمن العربي

بقلم: د. كامل النحاس

ليست قوة الدول بما تملكه من سلاح فحسب، بل بقدرتها على حماية أمنها وأمن أشقائها، وتوظيف ما تملكه من أدوات سياسية وعسكرية لمنع الاعتداء واحتواء الأزمات.

ومن هنا تبرز أهمية التحرك المصري الأخير بشأن أمن المملكة العربية السعودية، بما يحمله من أبعاد تتجاوز الموقف الدفاعي إلى مستقبل الأمن العربي وفرص السلام في المنطقة.
ففي 17 أكتوبر 2026، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي استعداد مصر لاتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن السعودية إذا طلبت منها ذلك، ودعا مجلس النواب إلى عقد جلسة طارئة للنظر في التفويض المطلوب، موضحًا أن مصر لا تسعى إلى الحرب أو مهاجمة أحد، وإنما إلى الدفاع عن أمن المملكة.

ويعكس هذا الموقف أهمية التضامن العربي، لكنه يضع أمام الدولة أيضًا مسؤولية تقدير العواقب؛ فالاستعداد للدفاع لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار بالتدخل العسكري، كما أن قوة القرار لا تُقاس بقدرته على المواجهة وحدها، بل بوضوح أهدافه وحسن تقدير مخاطره.

السعودية واليمن.. الأمن والأخوة معًا
أعلن مجلس الدفاع الوطني المصري دعمه للسعودية واستعداد مصر لتقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة لحماية أمنها واستقرارها. غير أن الدفاع عن المملكة لا يستلزم اتخاذ الشعب اليمني عدوًّا، أو تحميل المدنيين تبعات صراع لا يملكون قرار إشعاله أو إيقافه.

وقد أكدت مصر في مواقف رسمية سابقة دعم وحدة اليمن وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، وشددت على ضرورة التوصل إلى تسوية سياسية شاملة ودائمة. كما جدّدت الرئاسة المصرية، في سبتمبر 2026، تأكيد دعم استقرار اليمن ووحدته، ومساندة الجهود الرامية إلى حل سياسي يلبي تطلعات شعبه.

وهذا التوازن ضروري؛ فاليمن بلد شقيق تربطه بمصر روابط تاريخية وإنسانية، ويعيش في مصر يمنيون تجمعهم بالمصريين علاقات الأخوة والتواصل. ومن ثم، ينبغي أن تظل حماية السعودية والحفاظ على أمن اليمن واستقراره هدفين متكاملين، لا مبررًا لتحويل الخلاف مع طرف إلى خصومة مع شعب بأكمله.

هل يكون الردع طريقًا إلى التفاوض؟
قد يكون امتلاك القدرة على الردع وسيلة لمنع الاعتداء ودفع الأطراف إلى إعادة حساباتها، لكنه لا يضمن الوصول إلى السلام بمفرده. فالنتيجة تتوقف على وضوح الأهداف، ودقة تقدير المواقف، ووجود مسار دبلوماسي قادر على تحويل الضغط إلى تفاوض جاد.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التحرك المصري باعتباره فرصة للجمع بين الاستعداد للدفاع عن السعودية والسعي إلى احتواء التصعيد. أما الجزم بأن القيادة المصرية تتبنى خطة محددة غايتها دفع الأطراف إلى المصالحة، فيظل استنتاجًا تحليليًّا ما لم يُعلن ذلك رسميًّا.
وتستطيع مصر، بما تملكه من وزن سياسي وعلاقات إقليمية، أن تسهم في تهيئة الظروف للحوار، بحيث لا يكون الردع غاية في ذاته، بل أداة لحماية الأمن ومنع اتساع المواجهة.

غير أن نجاح هذا المسار يظل مرهونًا باستعداد الأطراف الأخرى للتجاوب مع الجهود السياسية.
الأزهر.. صوت المصالحة في زمن الحرب
في 18 أكتوبر 2026، دعا شيخ الأزهر الشريف، الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، إلى وقف الحرب والقتال والتدمير، وتغليب لغة العقل والحوار، وتشكيل لجنة وساطة وتهدئة تضم حكماء وممثلين من الدول العربية والإسلامية، للعمل على نزع فتيل الأزمات وتقريب وجهات النظر.

وتضيف هذه الدعوة بُعدًا مهمًّا إلى التعامل مع الأزمة؛ فالمؤسسات الدينية تستطيع الإسهام في تهدئة النفوس، وتذكير الأطراف بحرمة الدماء، وفتح قنوات للحوار حين تضيق المسارات السياسية. ولا تمثل دعوة الأزهر تأييدًا صريحًا لأي تحرك عسكري، بل تركز على الوساطة ووقف القتال.

ويمكن أن يتكامل المساران الدفاعي والدبلوماسي مع جهود المصالحة، إذا اجتمعت حول غاية واضحة: حماية الشعوب، ومنع اتساع الحرب، وإعادة الخلافات إلى طاولة التفاوض. وهنا تبرز أهمية تحويل دعوة الأزهر إلى مبادرة عملية تحظى بقبول الأطراف المعنية، بدل أن تبقى مجرد نداء أخلاقي، مهما كانت أهميته.

من الأزمة إلى الأمن العربي المشترك
تفتح التطورات الراهنة بابًا لإعادة طرح سؤال الأمن العربي: هل تستطيع الدول العربية تطوير تعاون دفاعي وسياسي أكثر فاعلية، يحمي الممرات البحرية، وينسق الجهود في مواجهة التهديدات المشتركة، ويمنع تحول الأزمات إلى حروب إقليمية مفتوحة؟
إن فكرة إنشاء قوة ردع عربية تستحق النقاش، لكنها تحتاج إلى توافق سياسي حقيقي، وأهداف محددة، وآليات واضحة لاتخاذ القرار. كما أن الأمن المشترك لا يقوم على القوة العسكرية وحدها، بل يحتاج إلى تنسيق دبلوماسي وتعاون اقتصادي ووسائل فعالة لتسوية النزاعات.

ولا يمكن الجزم الآن بنجاح التحرك المصري؛ فالنتيجة تتوقف على تطورات الأزمة، والإجراءات الرسمية، وتقدير المخاطر، ومدى استعداد الأطراف لقبول الوساطة. وسيكون معيار النجاح الأهم هو قدرة التحرك على حماية أمن السعودية، وتجنب الإضرار باليمنيين، واحتواء التصعيد وفتح طريق جاد للحل السياسي.

إن التحدي أمام مصر ليس الاختيار بين القوة والسلام، بل حسن الجمع بينهما؛ قوةٌ تمنع الاعتداء، ودبلوماسيةٌ تحد من اتساع الصراع، وموقفٌ عربي لا ينسى أن الشعوب هي التي تدفع غالبًا الثمن الأكبر للحروب.

وإذا أسهم التحرك المصري في تحويل التهديد إلى فرصة للتفاوض، وساندت جهود الأزهر والمؤسسات العربية هذا المسار، فقد تصبح الأزمة مدخلًا إلى تعاون أوسع يحمي أمن المنطقة ويعيد الاعتبار للحلول السياسية.

وفي المقال التالي، ننتقل من سؤال الردع والقوة إلى سؤال المصالحة: هل تستطيع المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي، انطلاقًا من دعوة الأزهر الشريف، أن تجمع كلمتها وتفتح طريقًا لوقف نزيف الحرب واستعادة الثقة بين الأشقاء؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى