عندما يجتهد الفقيه عند عدم بلوغه الحديث

سلسلة: المذاهب الفقهية.. لماذا اختلفوا وكيف نختلف؟
بقلم: د. كامل عبد القوى النحاس
المقال السادس
بعد أن رأينا في المقال السابق كيف تفرّق الصحابة في الأمصار، وحمل كل منهم ما تعلمه من رسول الله ﷺ، يصبح السؤال أكثر وضوحًا:
هل كان كل حديث نبوي يصل إلى كل عالم؟
والجواب:
لا
وليس معنى ذلك أن السنة كانت مجهولة أو ضائعة، فقد حفظها الصحابة ونقلوها،
لكن لم يكن صحابي واحد يحفظ كل ما قاله النبي ﷺ أو فعله، ولم تكن السنة قد جُمعت بعد في كتب جامعة يستطيع كل عالم أن يرجع إليها.
كان هذا الصحابي يسمع حديثًا، ويشهد آخر واقعة، ويحفظ ثالث حكمًا، ثم ينقل كل منهم ما عنده إلى من حوله.
وهكذا كانت السنة محفوظة في مجموع الأمة، وإن لم تجتمع كلها في صدر رجل واحد.
ومع انتقال الصحابة إلى الأمصار، انتقل العلم معهم بالسماع والرواية والرحلة.
فقد يحمل عالم حديثًا لا يعلمه عالم آخر، لا لقلة علمه ولا لإعراضه عن السنة، وإنما لأن الحديث لم يبلغه أصلًا.
وهذا سبب مهم من أسباب الاختلاف الفقهي.
عمر وأبو موسى رضى الله عنهما..
حديث لم يكن قد بلغ عمر
لعل من أوضح الأمثلة قصة الاستئذان.
جاء أبو موسى الأشعري رضي الله عنه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فاستأذن ثلاث مرات، فلما لم يؤذن له رجع.
فلقيه عمر فسأله: ما الذي أعادك؟
فقال أبو موسى: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع.
فقال عمر: لتأتيني على ذلك ببينة.
فذهب أبو موسى إلى جماعة من الصحابة، فجاء معه أُبي بن كعب رضي الله عنه، فشهد أن النبي ﷺ قال ذلك.
فلما ثبت الحديث عند عمر قبله، وعلم أن الإستئذان لا يجب أن يزيد على ثلاث مرات.
والشاهد هنا أن عمر لم يكن يعلم هذا الحديث قبل أن يحدثه به أبو موسى.
وهذا عمر بن الخطاب، أحد كبار الصحابة وأعلمهم، ومع ذلك لم يكن قد بلغه حديث حفظه صحابي آخر.
ولا يعني هذا أن عمر كان يجهل السنة، وإنما يعني أن علم السنة كان واسعًا، وكان الصحابة يتفاوتون فيما سمعه كل واحد منهم وحفظه وشهده.
فإذا كان هذا قد وقع بين الصحابة أنفسهم، فكيف نستغرب أن يعيش فقيهان في بلدين مختلفين، فيبلغ أحدهما حديث لا يبلغ الآخر؟
فعدم عمل العالم بحديث لا يعني دائمًا أنه خالف السنة، فقد يكون الحديث لم يبلغه أصلًا.
حديث الطاعون..
حين يظهر النص بعد الاجتهاد.
وفي عام الطاعون خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام، فلما وصل إلى منطقة سَرْغ، بلغه أن الطاعون قد وقع بالشام.
فتشاور مع الصحابة:
هل يدخل الشام أم يعود؟
واختلفوا في الرأي، ولم يكن النص حاضرًا عند من كانوا يتشاورون.
وبينما هم كذلك، جاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وكان غائبًا عن المجلس، فقال: عندي في هذا علم من رسول الله ﷺ.
ثم روى قوله ﷺ:
إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تقدموا عليها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه.
متفق عليه
فلما سمع عمر الحديث اتضح له وجه الحكم.
والقصة شديدة الدلالة.
فالمسألة وقعت، واجتهد فيها كبار الصحابة وتشاوروا، لأن النص لم يكن حاضرًا عندهم، ثم جاء صحابي آخر يحمل حديثًا لم يكن قد وصل إليهم، فحسم النص وجه الاجتهاد.
وهذا بالضبط ما يمكن أن يحدث في الفقه:
قد يجتهد العالم في مسألة بما بين يديه، ثم يظهر له نص صحيح لم يكن قد بلغه، فيعيد النظر في اجتهاده.
وليس في ذلك نقص، بل هذه هي الأمانة العلمية؛ أن يرجع العالم إلى الدليل متى بلغه.
ميراث الجدة..
حكم لم يكن يعرفه أبو بكر رضى الله عنه.
ومن أجمل الأمثلة الفقهية قصة ميراث الجدة.
جاءت جدة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه تطلب نصيبها من الميراث.
فقال لها أبو بكر: لا أجد لك في كتاب الله شيئًا، ولا أعلم أن رسول الله ﷺ قضى لك بشيء.
فسأل الصحابة:
هل سمع أحد من رسول الله ﷺ في ميراث الجدة شيئًا؟
فقال المغيرة بن شعبة: شهدت رسول الله ﷺ أعطاها السدس.
فطلب أبو بكر شاهدًا آخر، فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك.
فقضى أبو بكر للجدة بالسدس.
وهنا تظهر الصورة في أوضح صورها.
أبو بكر الصديق، أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ وأحد أعلم الصحابة، لم يكن قد بلغه هذا الحكم، بينما كان قد بلغه صحابيان آخران.
فلما ثبت عنده الخبر لم يتردد في الأخذ به.
ولم يكن عدم علم أبي بكر بهذا الحديث نقصًا في علمه، وإنما دليلًا عمليًا على أن السنة كانت محفوظة عند مجموع الصحابة، يحمل كل واحد منهم منها ما سمعه وشهده وحفظه.
ماذا نتعلم من هذه الأمثلة؟
تكشف لنا هذه الوقائع حقيقة مهمة:
لم تكن السنة محفوظة عند صحابي واحد، ولا مجتمعة في صدر عالم واحد، وإنما توزعت رواياتها بين الصحابة، يحمل كل واحد منهم منها ما سمعه وشهده وحفظه.
وهذا لا يعني تفرق السنة أو ضياعها؛ فقد تكامل الصحابة في نقلها، ثم انتقلت إلى التابعين، ومنهم إلى من بعدهم، حتى جُمعت ودُوّنت في كتب الحديث.
لكن في زمن الفتوى والاجتهاد الأول، كان من الطبيعي أن يعلم عالم ما لا يعلمه آخر.
فقد يكون عند أحدهم حديث، وعند الآخر حديث آخر، أو يكون أحدهما قد شهد واقعة لم يشهدها الآخر.
ولهذا كان العالم يجتهد بما بلغه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
فإذا لم يجد نصًا فيما وصل إليه، اجتهد وفق ما لديه من الأدلة والقواعد.
وقد يظهر بعد ذلك حديث لم يكن قد بلغه، فيتغير اجتهاده.
ولهذا لا يصح أن نقرأ اليوم كتب الحديث بعد أن جُمعت الروايات بين دفتيها، ثم نحاكم علماء القرون الأولى ونسأل باستغراب:
كيف خالف هذا العالم الحديث؟
فالسؤال العلمي الأعدل هو:
هل بلغه الحديث أصلًا أم لم يبلغه؟
فإن لم يكن قد بلغه، فلا يصح أن نتهمه برفض السنة أو تعمد مخالفتها.
لقد كان اختلاف بلوغ العلم أحد الأسباب الطبيعية للاختلاف الفقهي، ولم يكن عيبًا في العلماء، بل نتيجة طبيعية لمرحلة كان فيها العلم ينتقل بالسماع والرواية والرحلة.
جسر إلى المقال السابع
إذن عرفنا سببًا واضحًا من أسباب الاختلاف:
قد يبلغ الحديث فقيهًا، ولا يبلغ فقيهًا آخر.
لكن هناك صورة أخرى أكثر دقة:
ماذا لو بلغ الحديث الفقيهين معًا، لكن أحدهما صححه واطمأن إلى ثبوته، بينما لم يثبت عند الآخر؟
هنا لا يكون الخلاف في وصول الحديث، وإنما في سؤال آخر:
هل ثبت الحديث أصلًا؟
وهذا هو موضوع مقالنا القادم.



