مقال

سلسلة: “ممالك إسلامية لها تاريخ مجيد”.المقال :”100″.


“إمارة كريت الإسلامية… الحضارة الإسلامية في قلب البحر المتوسط”
بقلم/الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
المقدمة:
نصل اليوم إلى المحطة المائة من سلسلة «ممالك إسلامية لها تاريخ مجيد»، التي طافت بنا بين دول وإمارات إسلامية تركت بصماتها في التاريخ الإنساني، ونختم هذه الرحلة بإحدى التجارب الإسلامية المضيئة في أوروبا، وهي إمارة كريت الإسلامية، التي قامت في جزيرة كريت وسط البحر المتوسط، وكانت نموذجًا للدولة البحرية التي جمعت بين القوة، والعلم،والتجارة، والعمران.
أولًا: الموقع ،والأهمية:


تقع جزيرة كريت في البحر المتوسط جنوب اليونان، وتمثل موقعًا استراتيجيًا بين بلاد الشام، ومصر وشمال إفريقيا، والأندلس، ولذلك كانت مطمعًا للقوى الكبرى، ومركزًا مهمًا للملاحة، والتجارة.
ثانيًا: نشأة الإمارة:


تأسست إمارة كريت الإسلامية سنة 824م تقريبًا على يد جماعة من المسلمين الأندلسيين الذين خرجوا من الأندلس، وقادهم أبو حفص عمر بن شعيب الأندلسي، فاستقروا في الجزيرة وأقاموا دولة مستقلة.
واتخذ المسلمون من مدينة الخندق (كاندية/هيراكليون حاليًا) عاصمة لهم، وحصنوها بخندق وأسوار قوية، فأصبحت من أهم المدن البحرية في المنطقة.
ثالثًا: حكام الإمارة:


حكم الإمارة أمراء من الأسرة الحفصية الكريتية، ومن أشهرهم:
١)أبو حفص عمر بن شعيب: مؤسس الإمارة.
٢)شعيب بن عمر: واصل تثبيت الدولة.
٣)أبو حفص الثاني ومن جاء بعده من أمراء الأسرة.
٤)تعاقب حكامها من نسل المؤسس حتى سقوطها سنة 961م.
وقد حافظ هؤلاء الحكام على استقلال الإمارة، وبنوا قوة بحرية جعلتها مؤثرة في البحر المتوسط.
رابعًا: النظام السياسي، والعسكري:
قامت الإمارة على نظام إسلامي في الإدارة، والقضاء، واعتمدت على:
الأمير في قيادة الدولة.
القضاة والعلماء في تنظيم الحياة الدينية والقانونية.
الجيش لحماية الجزيرة.
أسطول بحري قوي للدفاع والتجارة.
وكان الأسطول الكريتي من أقوى الأساطيل الإسلامية في البحر المتوسط، وفرض نفوذه على طرق الملاحة.
خامسًا: الحياة الاقتصادية:
ازدهرت الإمارة اقتصاديًا بفضل:
التجارة البحرية.
الزراعة.
صناعة السفن.
الموانئ النشطة.
تصدير المنتجات الزراعية.
وكانت كريت حلقة وصل بين العالم الإسلامي وبيزنطة وأوروبا.
سادسًا: الحياة العلمية والحضارية
اهتم المسلمون في كريت بالعلم والعمران، فانتشرت:
المساجد.
حلقات تعليم القرآن والعلوم الشرعية.
اللغة العربية.
الصناعات والحرف.
كما طوروا نظم الري والزراعة، وبنوا التحصينات والأسوار والمنشآت البحرية.
سادسا : أبرز آثارهم الحضارية:
١)تحصينات مدينة الخندق.
٢)الموانئ والأسوار الدفاعية.
٣)التخطيط العمراني الإسلامي للمدينة.
سابعًا: العلاقات الخارجية:


دخلت الإمارة في علاقات صراع وتجارة مع الدولة البيزنطية، وكانت تمثل قوة بحرية منافسة لها، حتى أصبحت بيزنطة تعتبرها خطرًا كبيرًا على نفوذها في شرق المتوسط.
ثامنًا: سقوط الإمارة:
بعد محاولات عديدة لاستعادة الجزيرة، أرسل البيزنطيون حملة ضخمة بقيادة القائد نقفور فوكاس سنة 961م، وتمكنوا بعد حصار طويل من إسقاط مدينة الخندق وإنهاء الحكم الإسلامي في كريت.
تاسعا :الدروس المستفادة:
تثبت تجربة إمارة كريت أن الحضارة الإسلامية استطاعت أن تصل إلى قلب أوروبا، وأن المسلمين لم يكونوا قوة عسكرية فقط، بل كانوا بناة مدن، ورواد تجارة، وحملة علم، وثقافة.
الخاتمة:
بهذا المقال نختتم سلسلة «ممالك إسلامية لها تاريخ مجيد» بعد مائة محطة تاريخية، حاولنا خلالها إحياء صفحات مشرقة من تاريخ الأمة الإسلامية، والتذكير بأن الحضارات لا تبنى بالقوة وحدها، بل بالعلم والعدل والإرادة والعمل.
نسأل الله أن يجعل هذا العمل نافعًا، وأن يكون دافعًا للأجيال لمعرفة تاريخها، واستلهام دروسه.
المراجع:


١)ابن الأثير، الكامل في التاريخ.
٢)ابن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر.
٣)محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس.
٤)حسين مؤنس، معالم تاريخ المغرب والأندلس.
٥)Warren Treadgold, A History o the Byzantine State and Society.
٦)Alexios Savvides, Byzantium in the Near East and the Aegean.
٧)Kenneth Setton, A History of the Crusades: The Byzantine Empire and the Islamic World.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى