سر تل بسطة المدينة التى اختفت من التاريخ

بقلم: أيمن بحر
فى قلب محافظة الشرقية تقف قرية هادئة لا يلتفت إليها كثيرون لكنها تخفى تحت ترابها واحدة من أعظم مدن الحضارة المصرية القديمة إنها تل بسطة المدينة التى كانت يوما مركزا دينيا وسياسيا وتجاريا مزدهرا قبل أن تختفى مع مرور الزمن تاركة خلفها أسرارا لا تزال تبهر علماء الآثار حتى اليوم
عرفت تل بسطة فى مصر القديمة باسم بر باست وكانت العاصمة الدينية لعبادة الإلهة باستت التى اتخذت هيئة القطة وأصبحت رمزا للحماية والخصوبة والدفء الأسرى وكان المصريون القدماء يفدون إليها من مختلف أنحاء البلاد للمشاركة فى الاحتفالات الدينية التي وصفها المؤرخ الإغريقي هيرودوت بأنها من أعظم الاحتفالات وأكثرها حضورا في مصر القديمة
لم تكن تل بسطة مجرد مركز للعبادة بل كانت مدينة نابضة بالحياة تضم المعابد الضخمة والقصور والمخازن والأسواق وكانت تتحكم فى الطرق التجارية المؤدية إلى شرق الدلتا وشبه جزيرة سيناء وهو ما منحها مكانة استراتيجية مهمة عبر العصور المختلفة
وتشير الاكتشافات الأثرية إلى أن المدينة شهدت ازدهارا كبيرا خلال عصر الدولة الحديثة والعصر المتأخر حيث شيدت فيها معابد ضخمة وتماثيل هائلة للملوك من بينهم رمسيس الثانى الذى ترك بصماته الواضحة داخل المدينة كما عثر علماء الآثار على آلاف التماثيل البرونزية للقطط إضافة إلى مقابر خاصة بها فى دليل واضح على المكانة المقدسة التى كانت تحظى بها الإلهة باستت
ومن أبرز الأحداث التاريخية المرتبطة بتل بسطة أن العائلة المقدسة مرت بها خلال رحلتها داخل مصر هربا من بطش الملك هيرودس لتصبح المدينة واحدة من المحطات المباركة فى مسار العائلة المقدسة الذى يمثل أحد أهم مسارات السياحة الدينية في مصر
ومع تغير مسارات التجارة وتبدل مراكز الحكم وتعرض المدينة للغزوات والإهمال عبر القرون بدأت تل بسطة تفقد مكانتها تدريجيا حتى اندثرت مبانيها وتحولت إلى تلال أثرية غطتها الرمال وأقيمت فوق أجزاء منها قرى ومزارع لتختفي المدينة العظيمة عن الأنظار لقرون طويلة
لكن الحفائر الأثرية أعادت إحياء جزء كبير من تاريخها حيث كشفت البعثات المصرية والأجنبية عن بقايا المعابد والتماثيل واللوحات والنقوش التي أكدت أن تل بسطة كانت واحدة من أهم مدن مصر القديمة وأكثرها تأثيرا في الحياة الدينية والسياسية والاقتصادية
واليوم ما زالت تل بسطة تحمل بين طبقات أرضها الكثير من الأسرار التي لم تكتشف بعد فكل موسم حفائر يكشف عن قطعة جديدة من تاريخ مدينة كانت يوما منارة للحضارة المصرية وشاهدا على عظمة الإنسان المصري القديم وقدرته على بناء مدن خالدة بقيت آثارها تتحدث بعد آلاف السنين
إن تل بسطة ليست مجرد موقع أثري بل صفحة حية من تاريخ مصر تؤكد أن أرض هذا الوطن ما زالت تخفي كنوزا لا تقدر بثمن وأن كل اكتشاف جديد يعيد كتابة فصل جديد من قصة الحضارة التي أبهرت العالم وما زالت تفعل حتى اليوم