ريشة في ساحة المعركة

الكاتبة الإعلامية: ندين نبيل عبدالله أبو صالحه .
الجزء الثامن والثلاثون: أم القطط وصوت الحكمة
صحت ليلى تاني يوم على صوت “مياو” جماعي.كأنه منبه.
سبع قطط، سبع مواعيد أكل، سبع أرواح معلقة برقبتها.
ضحكت وقالت: “صرت أم القطط رسمي والمسؤولية تقلها ذهب”.
الفلوس اللي معها بلشت تخلص.
الأكل سعره مرتفع، والرمل ما بينأكل. والقطط ما بتعرف “بكرا”.
بتجوع اليوم.
من هون وقف العسكري عند خيمتها.
نفس الجندي اللي كان يعمل إيماءة من بعيد.
سمعها تغني للقطط وهي بتوزع الخبز… صوتها كان نقي زي مية البحر.
قالها: “صوتك حلو يا ليلى. شو رأيك تمثلي؟ عندي عرض بمبلغ منيح… ولكن ما بهمك من انتِ ومن أهلك الأصليين؟ الأهم إنك تعيشي”.
المبلغ كان مرتفع شوي… يكفي أكل شهر للقطط، ودواء، وسقف جديد للخيمة.
بس عيونه كانت بتفحصها: “مين أهلك؟ مين أصلك؟ ليش لحالك؟”
نفس السؤال اللي كانت صديقاتها تسأله قبل ما يخونوها.
ليلى سكتت شوي… والصمت صار سلاحها.
الصمت اللي تعلمته من القطط. القط ما بيحكي كتير… بس فاهم كل شي.
قامت، شربت ماء، مسحت على راس القطة البيضاء، بعدين ردت:
“أنا ليلى بنت بتقول بسم الله، وبنت الريشة اللي وقعت وطارت.
أهلي الأصليين؟ أهلي اللي ما باعوني وقت الغيم.
وبدي أعيش… بس ما بدي أبيع حالي عشان أعيش.
صوتي إلك يا وطن، مش إلك يا سوق.
لو بدك صوتي عشان الحق، أنا معك.
لو بدك صوتي عشان يعرفوا اسمي بس. فاسمي مكتوب على صخرة ‘رجعت'”.
العسكري سكت. ما توقع الرد.
اللي استغلوها قبل، استغلوا جوعها.
بس ليلى اليوم جوعانة بس كرامتها شبعانة.
وهون بلشت المؤامرة الجديدة:
صديقاتها القدامى سمعوا بالعرض.
رجعوا من الصحراء تايهين، جوعانين، بلا سقف.
شافوها “أم القطط” وصاروا يقولوا للناس: “مسكينة، مجنونة، عايشة مع القطط”.
نفسهم اللي قالوا “الحرية برا البيت” هلا بدهم يدخلوا بيتها.
واحدة منهم جابت صحن سمك وقالت للقطط: “تعالوا عندي، عندي فلوس”.
القط الأسود شم الصحن… بعدين تبول عليه قدامها.
القطة البيضاء قعدت بحضن ليلى وكأنها بتقول: “احنا ما بنخون”.
ليلى فهمت الحكمة:
المسؤولية مش بس تطعمي… المسؤولية إنك تحمي.
والفلوس اللي بتجي من استغلال الناس… بتخلص وبتاخد معها شرفك.
والفلوس اللي بتجي من تعبك وصوتك الحر بتشبع وبتكبر.
قامت من مكانها، وقفت أمام الكل، والقطط وراها صف:
“اللي بدو يشتري صوتي يشتري سكوتي الأول.
واللي بدو يعرف أصلي… يطلع على الشمس.
أنا ما بدي فلوسكم… بدي حريتي. والحرية إني آخد بيتي معي.
وبيتي اليوم يساوي سبع قطط و ريشة ذهب ورب العالمين”.
وغربت الشمس على الخيمة في البيت.
بس هالمرة ليلى ما خافت من الليل لأنو معها جيش ما بينام.
وكتبت على كيس الطحين الفاضي بحجر فحم:
“هنا عاشت ليلى يوم… اللي فهمت إنو رزق القطط مش بإيد تاجر، بإيد رزاق.
وانكسرت ورقصت، ووقعت وطارت وصارت أم القطط، وأم الحكمة”
نكمل في العدد القادم.



