حوارصحفى

حوار مع المرشدة النفسية التربوية ونسه نصر الله حول صناعة الإنسان من داخل الأسرة


حاورتها: هالة المغاوري – فيينا
لم تعد تربية الأبناء مهمة تقليدية تقوم على توفير الاحتياجات الأساسية فقط، بل أصبحت مسؤولية تتطلب وعيًا نفسيًا وتربويًا عميقًا، في ظل عالم يمتلئ بالمؤثرات والتحديات. وبين ضغوط الحياة اليومية، واتساع الفجوة بين الآباء والأبناء، تبرز تساؤلات كثيرة حول الدور الحقيقي للأسرة في بناء شخصية الطفل، وما إذا كانت لا تزال قادرة على أداء رسالتها الأولى في صناعة الإنسان.


في هذا الحوار، تفتح ونسة نصر الله، المرشدة النفسية التربوية، والأخصائية في الإرشاد النفسي، والمدربة في مجال الصحة النفسية، ملفات شائكة تتعلق بأساليب التربية الحديثة، وأثر العلاقة الأسرية على الصحة النفسية للأطفال، وكيف يمكن للأسرة أن تبقى الحصن الأول في مواجهة تحديات العصر.
بدايةً… هل تعتقدين أن الأسرة ما زالت تؤدي دورها الحقيقي في تربية الأبناء، أم أن هذا الدور أصبح يتراجع أمام تأثير المجتمع ووسائل التواصل الاجتماعي؟


ونسه نصر الله:
أعتقد أن الأسرة لا تزال تمثل حجر الأساس في تكوين شخصية الإنسان، لكن المشكلة أن طبيعة هذا الدور تغيرت بشكل كبير. في السابق كانت الأسرة هي المصدر الأول للقيم والمعرفة والتوجيه، أما اليوم فالطفل يتعرض منذ سنواته الأولى لكم هائل من المؤثرات القادمة من الهاتف الذكي، ومنصات التواصل، والألعاب الإلكترونية، والمدرسة، والأصدقاء، والإعلام.
لكن هذا لا يعني أن دور الأسرة انتهى، بل أصبح أكثر أهمية وأكثر صعوبة في الوقت نفسه.


الطفل لا يتأثر فقط بما يسمعه من والديه، وإنما بما يراه منهما كل يوم. لذلك فإن القدوة أصبحت أقوى من النصيحة، والسلوك اليومي أصبح أكثر تأثيرًا من الكلمات.
وعندما تغيب الأسرة عن هذا الدور، فإن الفراغ لا يبقى فارغًا، بل تمتلئه مصادر أخرى قد لا تمتلك نفس القيم أو نفس الحرص على مصلحة الطفل.


ولهذا أقول دائمًا إن التربية ليست حماية الطفل من العالم، وإنما إعداده للتعامل مع العالم.
كثير من الآباء يعتقدون أن نجاحهم في توفير مستوى معيشي جيد لأبنائهم هو أكبر دليل على حبهم لهم. هل يكفي ذلك لبناء طفل سليم نفسيًا؟
ونسه نصر الله:
توفير الاحتياجات المادية مسؤولية مهمة بلا شك، لكن من الناحية النفسية لا يمثل سوى جزء صغير من احتياجات الطفل.
الطفل لا يبحث فقط عن الطعام أو الملابس أو الألعاب، بل يبحث قبل كل شيء عن الشعور بالأمان، وعن شخص يشعر بأنه موجود من أجله.


هناك أطفال يعيشون في بيوت ميسورة، لكنهم يشعرون بالوحدة، وهناك أطفال يعيشون بإمكانات بسيطة جدًا، لكنهم يتمتعون باستقرار نفسي كبير لأنهم يجدون الاحتواء والاهتمام.
أحيانًا عشر دقائق من الحوار الحقيقي مع الطفل تكون أكثر قيمة من هدية باهظة الثمن.
فالوقت الذي يمنحه الوالدان لأبنائهما ليس وقتًا عاديًا، بل هو استثمار طويل الأمد في صحتهم النفسية وثقتهم بأنفسهم.
نلاحظ اليوم ارتفاعًا في معدلات القلق والعنف والانفعالات لدى الأطفال والمراهقين. هل ترين أن هذه الظواهر انعكاس لأزمة داخل الأسرة؟


ونسه نصر الله:
لا يمكن اختزال هذه الظواهر في سبب واحد، لكنها غالبًا نتيجة تراكم عدة عوامل، والأسرة تأتي في مقدمتها.
الطفل الذي يعيش في بيئة يسودها التوتر المستمر أو الصراخ أو التجاهل، لا يستطيع التعبير عن مشاعره بطريقة صحية، فيبدأ بالتعبير عنها من خلال السلوك.


بعض الأطفال يصبحون عدوانيين، وآخرون ينسحبون إلى العزلة، وغيرهم يلجؤون إلى الإدمان الرقمي أو الكذب أو العناد.
كل هذه السلوكيات ليست المشكلة الحقيقية، بل هي رسائل يحاول الطفل من خلالها أن يقول إنه يعاني.
لهذا أنصح الآباء دائمًا بألا يركزوا على السلوك فقط، بل يبحثوا عن السبب الكامن وراءه.


فالطفل لا يولد عنيفًا، وإنما يتعلم طرق التعبير عن مشاعره من البيئة التي يعيش فيها.
في ظل الانتشار الواسع للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، كيف يمكن للأسرة أن تحقق التوازن بين منع الطفل من التكنولوجيا وبين تعليمه استخدامها بشكل صحي؟
ونسه نصر الله:
أعتقد أن الحل لا يكمن في المنع الكامل، لأن التكنولوجيا أصبحت جزءًا من حياتنا اليومية، ومن الصعب عزل الطفل عنها. كما أن المنع المطلق قد يزيد من فضوله ويدفعه إلى استخدامها بعيدًا عن رقابة الأسرة.


ما نحتاج إليه هو بناء ثقافة الاستخدام الواعي. فالطفل يجب أن يتعلم منذ الصغر أن التكنولوجيا وسيلة للتعلم والتواصل والإبداع، وليست بديلًا عن الحياة الحقيقية أو العلاقات الإنسانية.
وأرى أن القدوة هنا أيضًا هي الأساس. فلا يمكن للأب أو الأم أن يقضيا ساعات طويلة أمام الهاتف، ثم يطالبا أبناءهما بالابتعاد عنه. عندما يرى الطفل أن أسرته تمنح وقتًا للحوار، والقراءة، والرياضة، والأنشطة المشتركة، فإنه يتعلم تلقائيًا أن العالم الحقيقي أكثر ثراءً من العالم الافتراضي.
كثير من الآباء يعتمدون العقاب كوسيلة أساسية للتربية. برأيك، هل ما زال العقاب وسيلة فعالة؟
ونسه نصر الله:
هناك فرق كبير بين العقاب والانضباط. التربية لا تعني التخويف، وإنما تعليم الطفل تحمل مسؤولية أفعاله وفهم نتائجها.
العقاب القاسي قد يوقف السلوك مؤقتًا، لكنه لا يغير القناعة الداخلية، بل قد يولد الخوف أو الكذب أو فقدان الثقة بالنفس. أما الانضباط القائم على الحوار ووضع حدود واضحة وثابتة، فيساعد الطفل على بناء ضمير داخلي يجعله يختار السلوك الصحيح حتى في غياب الرقابة.
ولهذا فإنني أشجع دائمًا على استخدام الحوار، والتفسير، والعواقب التربوية المنطقية، بدلاً من العقاب الذي يعتمد على الإهانة أو العنف.


من واقع خبرتك، ما أكثر الأخطاء التربوية التي تتكرر داخل الأسرة دون أن ينتبه إليها الآباء؟
ونسه نصر الله:
من أكثر الأخطاء شيوعًا المقارنة بين الأبناء أو مقارنة الطفل بغيره، لأن ذلك يزرع بداخله الشعور بالنقص، ويضعف ثقته بنفسه.


ومن الأخطاء أيضًا عدم الإنصات الحقيقي للطفل، فبعض الآباء يسمعون أبناءهم لكنهم لا يصغون إليهم. الطفل يحتاج إلى من يفهم مشاعره قبل أن يقدم له النصائح.
كما أن التناقض في أسلوب التربية بين الأب والأم يربك الطفل، وكذلك الإفراط في الحماية أو في التدليل، لأن كليهما يمنع الطفل من اكتساب الاستقلالية وتحمل المسؤولية.
ما الرسالة التي توجهينها إلى كل أب وأم يسعيان إلى تربية أبناء قادرين على مواجهة تحديات المستقبل؟
ونسه نصر الله:


أقول لهم إن الطفل لا يحتاج إلى والدين مثاليين، بل يحتاج إلى والدين حاضرين في حياته، يستمعان إليه، ويحتويانه، ويشعرانه بالأمان.
لا تخشوا الاعتراف بأخطائكم أمام أبنائكم، لأن ذلك يعلمهم التواضع والصدق. وامنحوهم الحب غير المشروط، لكن لا تتخلوا عن وضع الحدود التي تساعدهم على بناء شخصيات متوازنة.
التربية ليست مشروعًا قصير المدى، وإنما رحلة طويلة تتطلب الصبر والوعي والاستمرار. وكل كلمة طيبة، وكل لحظة اهتمام، وكل موقف احترام يعيشونه داخل الأسرة، يتحول مع مرور السنوات إلى جزء من شخصيتهم.
ولهذا أؤمن أن الأسرة ليست مجرد مكان يعيش فيه الطفل، بل هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها كيف يحب، وكيف يحترم، وكيف يثق بنفسه وبالآخرين.
في ختام هذا الحوار… ما الكلمة التي تودين توجيهها للمجتمع بأسره؟


ونسه نصر الله:
الأسرة ليست مسؤولية الوالدين وحدهما، بل هي مسؤولية مجتمع كامل. فكلما استثمرنا في بناء الأسرة، استثمرنا في بناء إنسان أكثر وعيًا، وأكثر توازنًا، وأكثر قدرة على الإسهام في نهضة مجتمعه.
وأؤمن أن مستقبل الأوطان لا يُبنى في المدارس والجامعات فقط، بل يبدأ داخل كل بيت، من طريقة حديث الأب مع أبنائه، ومن احتواء الأم لمشاعرهم، ومن القيم التي تُمارس قبل أن تُقال. فعندما ننشئ طفلًا يشعر بالأمان، ويحترم ذاته والآخرين، فإننا في الحقيقة نبني مجتمعًا أكثر استقرارًا وإنسانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى