بينما كنا نهتف في المدرجات كانوا يكتبون مستقبل البشرية

بقلم د . هاني المصري
لم تفز أمريكا بكأس العالم ولم ترفع الصين الكأس ولم تعرف روسيا طريقها إلى منصة التتويج ومع ذلك تتحكم هذه الدول اليوم في مفاصل العالم اقتصادًا وسياسةً وتكنولوجياً وعسكريًا هذه المفارقة الصادمة تكشف حقيقة واحدة لا يريد كثيرون الاعتراف بها وهي أن الأمم التي تفوز بالعقل لا تحتاج أن تفوز بالكرة
في المقابل ترسخت في أجزاء واسعة من الوطن العربي فكرة شديدة الخطورة مفادها أن الفوز بكأس العالم أهم من الفوز في مسابقة علمية وأن إحراز بطولة كروية يعد إنجازًا حضاريًا بينما التفوق في البحث العلمي خبر هامشي لا يلتفت إليه أحد وهذه ليست مجرد مفارقة ثقافية بل كارثة وعي حقيقية
في مجتمعاتنا قد تتحول خسارة مباراة كرة قدم إلى حالة حزن وغضب عام بينما يمر فوز طالب عربي بجائزة بحث علمي دولية مرور الكرام بلا احتفاء ولا تغطية ولا تقدير تصرف الملايين على الملاعب والأندية بينما تترك المعامل بلا تمويل وتقتل أحلام الباحثين بالإهمال أو البيروقراطية أو الهجرة
الدول الكبرى أدركت مبكرًا أن كرة القدم رغم جمالها وشعبيتها لا تصنع قوة دول ولا تحمي أمنًا قوميًّا ولا تبني اقتصادًا لذلك ركزت على ما هو أعمق وأبقى العلم والصناعة والتكنولوجيا والبحث والتطوير وبناء الجامعات ومراكز التفكير وصناعة براءات الاختراع أما نحن فكثيرًا ما اختصرنا معنى النجاح الوطني في مباراة مدتها تسعون دقيقة
الولايات المتحدة بنت وادي السيليكون ولم تبن منتخبًا بطلًا للعالم والصين بنت مصانع العالم ولم ترفع الكأس وروسيا طورت صناعاتها العسكرية والفضائية دون أن تعتلي منصة المونديال لكنهم جميعًا فرضوا أنفسهم على خريطة العالم لأنهم آمنوا بأن العقل أقوى من القدم وبأن المختبر أخطر من الملعب
المشكلة ليست في حب كرة القدم فهي لعبة جميلة ومتنفس إنساني مشروع المشكلة في تحويلها إلى أولوية وجودية ومعيار وحيد للنجاح الوطني وأداة لتفريغ طاقات الشعوب بعيدًا عن الأسئلة الحقيقية أين نحن من البحث العلمي أين جامعاتنا من التصنيفات العالمية أين إنتاجنا المعرفي وأين موقعنا من المستقبل
حين تزرع في وعي الأجيال فكرة أن المجد يصنعه هدف لا اكتشاف وأن الشهرة تأتي من لاعب لا عالم فنحن لا نخسر مباراة بل نخسر مستقبلًا كاملًا وحين تصبح أحلام الأطفال محصورة في الملاعب لا في المعامل فاعلم أن المعركة قد حسمت ضدنا دون رصاصة واحدة
القوى الكبرى لا تعادي كرة القدم لكنها لا تقدسها تعرف مكانها الطبيعي وتضعها في حجمها الحقيقي أما الأمم التي تخلط بين الترفيه والمصير فهي أمم تدار بالعاطفة وتترك خارج التاريخ
كأس العالم يذهب ويعود كل أربع سنوات لكن من يفوز بالعالَم لا يفرط فيه بسهولة من أراد مكانًا بين الكبار فليغيّر ساحة المنافسة من المدرجات إلى المعامل ومن الشاشات إلى مراكز البحث فهناك فقط تُحسم المعارك الحقيقية وهناك فقط تُصنع الأمم وفي ذلك لذكرى لقوم يعقلون



