مقال

“اليأس والقنوط… حين يُغلق الشيطان أبواب الأمل

سلسلة عيادة القلوب:
المقال الثامن عشر:

بقلم /الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
المقدمة :
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾،[الزمر: 53].
من أخطر أمراض القلوب التي تصيب الإنسان داء اليأس ،والقنوط، فهو مرض يطفئ نور الأمل، ويكسر الإرادة، ويجعل صاحبه يرى الدنيا مظلمة مهما أشرقت، ويظن أن أبواب الفرج قد أغلقت، وأن رحمة الله بعيدة عنه.
واليأس ليس مجرد شعور نفسي عابر، بل قد يتحول إلى انحراف عقدي إذا حمل صاحبه على سوء الظن بالله، أو الاعتقاد بأن رحمته لا تشمل المذنبين، ولذلك جعله الإسلام من كبائر أمراض القلوب.
أولًا: ما هو اليأس والقنوط؟:
اليأس: انقطاع الرجاء من حصول الخير.
القنوط: هو اليأس الشديد من رحمة الله، وفرجه.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
“القنوط من رحمة الله من أعظم الذنوب، لأنه يتضمن سوء الظن بالله.”
ثانيًا: لماذا يعد اليأس مرضًا خطيرًا؟:
لأنه:
يضعف الإيمان.
يقتل الطموح.
يفتح باب الاكتئاب والانعزال.
يدفع بعض الناس إلى ترك العبادة.
وقد يقود إلى الانتحار أو الاعتراض على قضاء الله.
ولهذا قال الله تعالى:
﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾،[يوسف: 87].
ثالثًا: أسباب اليأس والقنوط:
ضعف الصلة بالله.
كثرة الذنوب مع غياب التوبة.
طول الابتلاء.
مقارنة النفس بالآخرين.
الفشل المتكرر دون صبر.
الاستسلام لوساوس الشيطان.
صحبة المحبطين.
رابعًا: علامات الإصابة باليأس:
كثرة قول: لا فائدة.
فقدان الأمل في المستقبل.
ترك الدعاء.
الشعور بأن الله لن يغفر.
الانعزال عن الناس.
الاستسلام للمشكلات.
خامسًا: نماذج قرآنية تعلمنا الأمل:
1) يعقوب عليه السلام:
فقد ابنه سنوات طويلة، ومع ذلك قال:
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾
ثم قال:
﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾
2) أيوب عليه السلام:
ابتلي بالمرض وفقد المال والأهل، ولم ييأس، وإنما دعا:
﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
3) يونس عليه السلام:
في بطن الحوت لم يقل انتهى أمري، وإنما قال:
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
فنجاه الله.
سادسًا: كيف يعالج الإسلام اليأس؟:
1) حسن الظن بالله:
قال ﷺ:”أنا عند ظن عبدي بي.”
(رواه البخاري ومسلم ،حديث صحيح).
2) كثرة الدعاء:
3) التوبة مهما كثرت الذنوب.
4) قراءة قصص الأنبياء.
5) تذكر نعم الله.
6) مصاحبة المتفائلين.
7) العمل وعدم الاستسلام.
سابعًا: أقوال السلف:
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
“لو نادى منادٍ أن الناس كلهم في الجنة إلا رجلًا واحدًا لخشيت أن أكون أنا، ولو نادى أن الناس كلهم في النار إلا رجلًا واحدًا لرجوت أن أكون أنا.”
وقال الحسن البصري:
“المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن.”
ثامنًا: وقفة تربوية:
ليس المؤمن من لا يعرف الحزن، وإنما المؤمن من يجعل حزنه طريقًا إلى الله، لا طريقًا إلى اليأس.
وكم من إنسان ظن أن النهاية قد جاءت، فإذا بالله يفتح له أبوابًا لم يكن يتخيلها.
قال تعالى:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.
[الطلاق: 2-3]
خاتمة:
مهما اشتدت الظلمات، فإن نور الفجر قادم، ومهما طال البلاء فإن وعد الله حق، فلا تجعل للشيطان سبيلًا إلى قلبك باليأس والقنوط، بل اجعل شعارك دائمًا:
“ربٌ كريم، ورحمة واسعة، وفرج قريب، وأمل لا ينقطع.”
فالمؤمن يعيش بين الخوف، والرجاء، ولا ييأس من رحمة الله أبدًا.
المراجع العربية :
١)القرآن الكريم.
٢)صحيح البخاري.
٣)صحيح مسلم.
٤)ابن القيم، مدارج السالكين.
٥)ابن القيم، الداء والدواء.
٦)ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم.
٧)أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين.
٨)ابن الجوزي، صيد الخاطر.
٩)النووي، رياض الصالحين.
١٠)ابن كثير، تفسير القرآن العظيم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى