مقال

الرفق يزين ونزعه يشين


بقلم
د كامل عبد القوى النحاس

خطبة الجمعة 10/72026

إن المتأمل في أحوال الناس اليوم يدرك أن كثيرًا من مشكلاتنا لا يرجع إلى قلة العلم، ولا إلى ضعف الإمكانات، وإنما يرجع إلى غياب الأخلاق التي تحفظ العلاقات وتشيع الطمأنينة بين الناس، وفي مقدمة هذه الأخلاق خلق الرفق.

فما أكثر البيوت التي هدمتها كلمة قاسية، وما أكثر العلاقات التي أفسدها الغضب، وما أكثر الشباب الذين نفروا من النصح لسوء الأسلوب، وما أكثر الخصومات التي بدأت بصوت مرتفع وانتهت بقطيعة طويلة.

ولهذا لم يكن الرفق في الإسلام خلقًا ثانويًا، بل كان منهجًا ربانيًا لبناء الإنسان وإصلاح الأسرة وعمران المجتمع.

قيمة الرفق في القرآن الكريم

قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
[آل عمران: 159]

تقرر هذه الآية قاعدة عظيمة في التعامل مع الناس؛ فالقلوب لا تُفتح بالقسوة، ولا تجتمع حول الغليظ، ولو كان صاحب حق.
وقد امتن الله على نبيه صلى الله عليه وسلم بلين جانبه، وجعل هذا الخلق سببًا لاجتماع أصحابه حوله، وهي رسالة لكل أب وأم، ولكل معلم وداعية ومسؤول، أن حسن الخلق مفتاح النجاح في التأثير والإصلاح.

ولما أرسل الله موسى وهارون عليهما السلام
أمرهما فقال:
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾
[طه: 44]

إنها آية تدعو إلى التأمل؛ فالله يأمر موسى وهارون بالقول اللين مع فرعون، وهو رأس الطغيان، ليعلمنا أن الرفق لا يعني الرضا بالباطل، وإنما هو أحكم طريق لإقامة الحجة وفتح أبواب الهداية.

قال تعالى:
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].

فالدعوة الناجحة تجمع بين صحة الفكرة، وجمال العبارة، وحسن الأسلوب، فلا يكفي أن يكون الإنسان على الحق، بل لا بد أن يحسن عرضه للحق.

الرفق في السنة النبوية

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه.»
رواه مسلم.

فإذا كان الله يحب هذا الخلق، فإن المؤمن يحرص على التحلي به في كل شأنه؛ لأن محبة الله هي الغاية التي يسعى إليها كل مؤمن، ولأن البركة والتوفيق كثيرًا ما يكونان ثمرةً للرفق وحسن المعاملة.

وقال صلى الله عليه وسلم: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه.»
رواه مسلم

وهذا الحديث من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم؛ فما دخل الرفق بيتًا إلا نشر فيه المودة، ولا دخل مدرسة إلا صنع بيئة صالحة للتعلم، ولا دخل مؤسسة إلا حسن العلاقات فيها، ولا دخل الدعوة إلا قرب الناس من الحق، وإذا غاب الرفق حل محله النفور وسوء الظن وكثرة الخصومات.

وقال صلى الله عليه وسلم: «من يُحرم الرفق يُحرم الخير كله.»
رواه مسلم

لأن الرفق يجمع القلوب، ويقرب النفوس، ويفتح أبواب الإصلاح، ومن فقده ضاعت عليه فرص كثيرة كان يمكن أن يبلغ بها الخير إلى نفسه وإلى غيره.

الرفق في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم

لم يكن الرفق عند النبي صلى الله عليه وسلم مجرد توجيه، بل كان سلوكًا يراه الناس في كل موقف من مواقف حياته.

فلما بال الأعرابي في المسجد، ثار الصحابة ليمنعوه، فقال صلى الله عليه وسلم: «دعوه…»، ثم أمر بتطهير المكان، وعلم الرجل برفق. فجمع بين إزالة الخطأ والمحافظة على كرامة المخطئ، لأن المقصود من التربية إصلاح الإنسان، لا إذلاله.

وجاءه شاب يستأذنه في الزنا، فلم يقابله بالتوبيخ أو الإهانة، وإنما فتح معه باب الحوار، وربط الحكم بفطرة الإنسان، ثم دعا له، فخرج وقد تغير قلبه.

وهكذا يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كثيرًا من الناس لا يحتاجون إلى من يرفع صوته عليهم، وإنما يحتاجون إلى من يحسن الوصول إلى عقولهم وقلوبهم.

وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: «خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي أف قط.»
متفق عليه

إنها شهادة من خادم عاش مع النبي صلى الله عليه وسلم سنوات طويلة، فلم ير منه إلا حسن الخلق، وفي هذا درس لكل من ولاه الله مسؤولية على غيره، أن القيادة الحقيقية ليست في الشدة، وإنما في الرحمة والعدل وحسن المعاملة.

الرفق بالنفس

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن الدين يسر.»
رواه البخاري

وقال لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما:
«إن لنفسك عليك حقًا.» متفق عليه.

فالمسلم مأمور بأن يسير إلى الله سيرًا متوازنًا، فلا يحمل نفسه ما لا تطيق، ولا يشدد عليها حتى تمل وتنقطع، بل يداوم على الطاعة برفق وحكمة، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل .

الرفق في الأسرة

جعل الله الأسرة أول ميدان يظهر فيه صدق الأخلاق، فقال سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[النساء: 19]

وقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
[الروم: 21]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي.»
رواه الترمذي

إن خيرية الإنسان لا تظهر في تعامله مع الغرباء فحسب، وإنما تظهر قبل ذلك مع أهل بيته، فالبيت الذي يسوده الرفق بيت تسكن إليه النفوس، وتستقر فيه القلوب، ويشب فيه الأبناء على المحبة والاحترام.
أما إذا غابت الرحمة، وحضرت القسوة، فإن المال لا يصنع السعادة، ولا تكفي المظاهر لإخفاء ما في النفوس من جراح.

الرفق في تربية الأبناء

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«من لا يرحم لا يُرحم.» متفق عليه.

وكان صلى الله عليه وسلم يقبل الحسن والحسين ويحملهما، ويلاعب الأطفال، ويطيل السجود من أجل حفيده، ويعلم برفق، ويعالج الخطأ بالحكمة.

إن أبناءنا اليوم يعيشون في عالم مفتوح، تمتلئ شاشاته بالأفكار المتناقضة، وتتنافس فيه المؤثرات على عقولهم وقلوبهم، ولذلك فهم أحوج إلى أب يسمع قبل أن يتكلم، وإلى أم تحتوي قبل أن تعاتب، وإلى حوار يقنع، لا إلى صراخ يخيف. فالضرب قد يفرض الصمت، لكنه لا يبني القناعة، أما الرفق فإنه يغرس الثقة، ويجعل الأبناء يقبلون النصح بمحبة واختيار.

الرفق مع الناس جميعًا

قال الله تعالى:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83].

تأملوا كيف جاء التعبير عامًا: للناس، فلم يقتصر على المؤمنين أو الأقارب، لأن الإسلام يريد للمسلم أن يكون حسن الخلق مع كل من يتعامل معه.

فالرفق يشمل الوالدين، والأرحام، والجيران، وأصحاب الحاجات، وكبار السن، والعامل، والموظف، والفقير، والمخالف، وكل من يجمعنا بهم طريق أو عمل أو معاملة. والكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، ولين الجانب، وحسن الاستماع، كلها صور من الرفق الذي يشيع المودة ويقوي أواصر المجتمع.

الرفق بالحيوان وسائر المخلوقات

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«في كل كبدٍ رطبة أجر.» متفق عليه.

وأخبر صلى الله عليه وسلم عن امرأة دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت، وأخبر عن رجل غفر الله له لأنه سقى كلبًا اشتد به العطش.

وهذا يدل على أن الرحمة في الإسلام لا تقف عند الإنسان، بل تمتد إلى كل مخلوق، لأن القلب الذي يرحم الضعيف من خلق الله هو قلب أقرب إلى رحمة الله عز وجل.

الرفق في الدعوة إلى الله

قال الله تعالى:
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾
[النحل: 125]

وقال سبحانه:
﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
[فصلت: 34]

إن الدعوة ليست معركة لإسكات الخصوم، وإنما رسالة لهداية الخلق. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرق بين الخطأ وصاحبه، فينكر المنكر، لكنه لا يهين الإنسان، ويقيم الحجة، لكنه لا يغلق باب التوبة.

وكم نحن بحاجة في زماننا إلى هذا المنهج، حتى لا يكون سوء الأسلوب حجابًا بين الناس وبين دين الله.

الرفق في زمن الاستقطاب

من أخطر ما يميز عصرنا كثرة الخصومات، وسرعة إصدار الأحكام، وانتشار التجريح والسخرية، حتى أصبحت وسائل التواصل عند بعض الناس ميدانًا للسباب والتشهير أكثر منها وسيلة للتواصل.

وفي مثل هذا الواقع يحتاج المسلم إلى أن يستحضر قول الله تعالى:
﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
[الإسراء: 53]

وأن يعلم أن قوة الحجة لا تحتاج إلى قسوة العبارة، وأن الثبات على الحق لا يبيح ظلم المخالف أو الانتقاص من كرامته. فالرفق لا يلغي الاختلاف، لكنه يهذبه، ولا يمنع الإنكار، لكنه يجعله أقرب إلى القبول.

كيف يبني الرفق الإنسان ويعمر الأوطان؟

إذا استقر الرفق في قلب الإنسان أصبح أكثر حلمًا، وأقدر على ضبط غضبه، وأحسن تصرفًا في الأزمات، وأقرب إلى العدل والإنصاف. وإذا انتقل الرفق إلى الأسرة سادتها السكينة، وربت أبناءها على الاحترام والحوار. وإذا انتشر في المجتمع كثرت الثقة بين الناس، وقلت الخصومات، وقويت أواصر التعاون.

ولهذا فإن بناء الأوطان لا يبدأ بالمشروعات الكبرى وحدها، وإنما يبدأ ببناء الإنسان. فالمعلم الرفيق يبني أجيالًا، والطبيب الرفيق يزرع الطمأنينة في قلوب مرضاه، والقاضي الرفيق يسمع قبل أن يحكم، ورجل الأمن الرفيق يجمع بين هيبة النظام وصيانة الكرامة، والموظف الرفيق ييسر مصالح الناس، ورب الأسرة الرفيق يخرج للمجتمع أبناء صالحين نافعين.

فكل هؤلاء يشاركون في عمران الوطن، لأن الأخلاق ليست أمرًا هامشيًا، بل هي من أعظم مقومات نهضة الأمم واستقرارها.

الخاتمة

إن الرفق ليس خلقًا يُمدح به الإنسان فحسب، بل هو عبادة يتقرب بها إلى الله، ومنهج حياة يزين الأقوال والأعمال والعلاقات. وما أحوج بيوتنا إلى الرفق، ومدارسنا إلى الرفق، ومساجدنا إلى الرفق، وأماكن أعمالنا إلى الرفق، ووسائل تواصلنا إلى الرفق.

فلنبدأ بأنفسنا، ولنجعل الكلمة الطيبة شعارنا، والحكمة سبيلنا، والرحمة منهجنا، ولنتذكر أن المسلم لا يتشكل بأخلاق عصره، وإنما يسمو بعصره إلى أخلاق الإسلام، وأن الأمة التي يسودها الرفق أمة أقرب إلى الوحدة، وأقدر على البناء، وأسرع إلى النهوض.

وقد لخَّص رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المنهج كله في كلمات قليلة، فقال:

«ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه.»

فما أحوجنا أن نجعل هذا الحديث ميزانًا في بيوتنا، وتربيتنا، ودعوتنا، وأعمالنا، وعلاقاتنا، حتى نبني إنسانًا صالحًا، وأسرةً متماسكة، ومجتمعًا متراحمًا، ووطنًا قويًا يعمر بالإيمان والأخلاق قبل أن يعمر بالحجر والبنيان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى