الخَجَلُ العَاطِفِيّ.. كِبْرِيَاءٌ زَائِفٌ يُهَدِّدُ دِفْءَ المَشَاعِر!

بقلم: جمال القاضي
كثيرًا ما نحمل في جوانحنا سيلًا جارفًا من المشاعر الدَّافئة، تتراوح مضامينها بين الحُبِّ الغامر، والرَّاحة النَّفسية، والقبول المُطلق. هذه العواطف النَّبيلة ليست تَرَفًا لفظيًا، بل هي القاسم المشترك الأعظم الذي يجب أن يربط الأب بأبنائه، والأم بـِـفِلْذَاتِ أَكْبَادِهَا، والناشئة بـِـأَصْلِ وُجُودِهِمْ (الآباء والأمهات).
بَيْدَ أنَّ الغريب في هذا الشأن الإنساني، هو ذلك (الخَجَلُ المَرَضِيُّ) الذي يُكَبِّلُ الألسنة عن البَوْح، ويجعل الاعتراف بالمشاعر جريمة يخشى الجميع اقْتِرَافَهَا، مُتَحَجِّجِينَ بمبررات واهية تختلف باختلاف المكانة والـْـمَقَام.
أَزْمَةُ البَوْحِ دَاخِلَ الأُسْرَةِ: كِبْرِيَاءُ الآبَاءِ وَعُقَدُ الأَبْنَاءِ
في محراب الأسرة، نجد فجوة صامتة تصنعها الـْـهَيْبَةُ الـْـمَزْعُومَةُ؛ فالْأَبُ ( في كثير من الأحيان ) يستنكف أن يُبدي حُبَّه لأولاده بكلمات صريحة تفيض حنانًا. إنَّه يعتقد واهمًا أنَّ مكانته السَّامية ستهتز، وأنَّ هيبته سَتَضْمَحِلُّ إذا ما نطق بكلمة رقيقة.
على الجانب الآخر، ينتقل هذا العُقْمُ العاطفي إلى الأبناء؛ فنرى خجلًا جامحًا يحجب الأبناء الـذُّكُورَ عن الاعتراف بـِـحُبِّهِمْ لآبائهم، بينما تبوح الإناث بـِـذلك للآباء دون حرج. وفي مفارقة غريبة، قد تحجب الابنة مشاعرها عن الأم، بينما يحجبها الابن الذكر عن الأب ويسكبها في حضن أمه، في دائرة مُبْهَمَةٍ من العواطف الـْـمَكْبُوتَةِ التي لا نجد لها تبريرًا نفسيًا منطقيًا.
مِقْصَلَةُ الزَّوَاجِ: كَيْفَ يَمُوتُ الغَزَلُ بَعْدَ اللِّقَاءِ؟
تتجلى هذه الـْـمَأْسَاةُ العاطفية بـِـأَبْهَى صورها في العلاقة بين الـزَّوْجَيْنِ. فقبل الزواج، وفي مرحلة الخطوبة، يكون الاعتراف بـِـالـْـمَشَاعِرِ صريحًا، متدفقًا، ومُعَبِّرًا عن صدق العاطفة. لكنْ، ما إن تُغْلَقَ عليهما أبواب بيت واحد، حتى يتبدل الحال تمامًا!
يتحول الحب اللفظي إلى مجرد اِبْتِسَامَةٍ بَاهِتَةٍ أو تقديم غرض مادي يحبه الطرف الآخر، دون النطق بكلمة حُبٍّ واحدة. ويبدأ الـزَّوْجُ في سرد مبررات وهي:
– تقدُّم العُمْر: فهو يرى أنَّ سنَّه لم تعد تسمح بهذه المراهقة اللفظية.
– خوفه من زوال الـْـهَيْبَة: خشية أن تزول الفواصل التي فرضها على زوجته.
– الـْـهَرَبُ من الالتزامات الـْـمَادِّيَّة: حيث يظن بعض الرجال أنَّ الاعتراف بـِـالـرِّضَا عن الزوجة سيفتح عليه ( أبواب الجحيم الـْـمَالِيِّ )، فتطلب المزيد من النفقات لـِـزِينَتِهَا أو لتدبير شؤون المنزل؛ فيكون منه ( الصَّمْتُ العَاطِفِيُّ ) هو السلاح الاستراتيجي لـِـدَحْرِ كل هذه المَطالب!
مَاذَا لَوْ نَطَقْنَا؟.. الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ تِرْيَاقُ الحَيَاةِ
إنَّ القلب البشري مَفْطُورٌ على حب الاهتمام، ويتطلع دائما لـِـسَمَاعِ الثناء والمَدْح. وفي ظل هموم الحياة الـْـمَعِيشِيَّةِ الطاحنة وأعبائها الثقيلة، نكون في أحوج ما يكون إلى كلمة طيبة.
إنَّ نطق كلمة ( أُحِبُّكَ )، أو إظهار الوُدِّ والتقرُّب، ليس ضعفًا، بل هو التِّرْيَاقُ الذي تزول به الهموم ويختفي معه التَّعب.
إنَّ الأسرة السَّوية والـصِّحِّيَّةَ هي تلك التي يشعر فيها كل فرد بـِـكَيَانِهِ ووجوده، ويعلم يقينًا أنَّ هناك من يحبه؛ حينها فقط، لن يخجل الأبناء أو الآباء من مشاركة مشاكلهم اليومية، وستُحلُّ الأزمات بـِـلَمْحِ البَصَرِ لأنها تُعالج في بيئة صحيةِ من الأمان النفسي.
الــحُبُّ الـْـمَكْبُوتُ: عِنْدَمَا يَصْنَعُ الخَجَلُ مَآسِيَ أَبَدِيَّةً
لا تقتصر خطورة هذا الخجل على الــمُحِيطِ الأسري الحالي، بل تمتد لتدمير الـْـمُسْتَقْبَلِ. كم من رجل جذبته أنثى وأراد الزواج بها، أو عاطفة نبيلة بادلته إياها تلك الأنثى، لكنَّ ( جِدَارَ الخَجَلِ) حال بينهما دون الاعتراف!
فيمتد هذا الصمت لـِـسَنَوَاتٍ، ليكون المصير هو ارتباط كل منهما بـِـطَرَفٍ آخر لا مشاعر له اتجاهه. والنتيجة الحتمية هي: أُسَرٌ مُمَزَّقَةٌ، وعلاقات زوجية فاشلة؛ لوجود حب مَكْبُوتٍ لشخص مازال على قيد الحياة، لكنَّ الوصول إليه غدا مستحيلًا بعد أن تبدل الحال وارتبط بـِـغَيْرِهِ.
خَاتِمَةٌ: الِاعْتِرَافُ عَقِيدَةُ اسْتِمْرَارِ الحَيَاةِ
إنَّ الاعتراف بـِـالـمَشَاعِرِ الجميلة التي نحملها هو ( الوَقُودُ الحَقِيقِيُّ ) الذي يدفع القلب للاستمرار، ويجعله نابضًا بـِـالحَيَاةِ.
لم يعد البَوْحُ رفاهية، بل هو ضرورة قصوى لبناء علاقات أسرية وزوجية صحية ومتينة. دعونا نُحَطِّمُ أصنام الخجل والهَيْبَةِ الزَّائفة، ولْنَقُلْ لـِـمَنْ نحبهم ( إنَّنا نحبهم ) قبل أن يطوينا الصمت، ونصبح مجرد حكايا كان يمكن أن تكون أجمل لولا خَجَلُ الاعتراف.
