البيئة نعمة ربانية ومسؤولية إنسانية

مادة لخطبة الجمعة
25/9/2026
بقلم :
د كامل النحاس
البيئة نعمة وأمانة
أيها المسلمون،
كل واحد منا يعيش على نعمٍ لم يصنعها بيده:
ماءٌ ينزل من السماء، وهواءٌ يتنفسه، وأرضٌ تحمله، وزرعٌ يطعمه، وحيوانٌ ينتفع به.
وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها
لكن السؤال ليس:
هل أنعم الله علينا؟
فذلك أمر لا شك فيه.
وإنما السؤال:
ماذا فعلنا بهذه النعمة؟
هل حفظناها كما اؤتمنّا عليها ؟
أم استهلكناها بلا حساب؟
هل تركنا وراءنا خيرًا؟
أم تركنا أذى؟
هل عمّرنا الأرض ؟
أم أفسدنا فيها؟
لقد جعل الله الإنسان خليفة في الأرض، فقال سبحانه:
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾
[الأنعام: 165].
فالأرض ليست شيئًا نأخذ منه ثم نمضي، وإنما هي أمانة نعيش فيها، وننتفع بخيراتها، ونُسأل عن أثرنا فيها.
ومن هنا نفهم قول الله تعالى:
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾
[الأعراف: 56].
فحماية البيئة في حقيقتها ليست قضية خارج الدين؛ إنها صورة من صور شكر النعمة، وأداء الأمانة، وحفظ حقوق الناس.
أصل جامع: لا ضرر ولا ضرار
قال النبي ﷺ:
لا ضرر ولا ضرار.
ومن هذا الأصل نفهم أن الإنسان لا يستعمل النعمة استعمالًا يفسدها أو يؤذي بها غيره.
ولهذا نهى النبي ﷺ عن قضاء الحاجة في طريق الناس أو ظلهم فقال:
اتقوا اللعانين
قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟
قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم
رواه مسلم.
وجاء: اتقوا الملاعن الثلاث: وهو التبول والتغوط في الموارد، وقارعة الطريق، والظل
رواه أبو داود وابن ماجه، وحسنه أهل العلم.
فإذا كان الشرع نهى عن تلويث موارد الناس، فكيف بمن يلقي النفايات في النيل والترع والمصارف،
أو يصرف مخلفات المصانع والصرف الصحي في المياه دون معالجة مناسبة؟
قال تعالى:
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: 41].
لا تجعل النفاية مشكلة لغيرك
قد تخرج النفايات من بيتك أو مكان عملك، لكن مسؤوليتك لا تنتهي بخروجها من أمام عينيك.
فلا تلقها في الطريق، ولا في النيل والترع والمصارف، ولا في أرض الغير، ولا تحرقها عشوائيًا.
تخلّص منها بالطريقة المناسبة لطبيعتها وخطورتها، ووفق الضوابط الصحية والبيئية التي تضعها الجهات المختصة.
لا يكفي أن تختفي النفاية عن عينيك؛ المهم أن تتخلص منها بطريقة سليمة.
الماء والهواء والغذاء
والماء ليس وحده حقًا مشتركًا؛ فالهواء كذلك.
فلا تقل: سيارتي ملكي.
نعم، سيارتك ملكك، لكن الهواء الذي يتنفسه الناس ليس ملكًا لأحد.
فإذا كان عادم السيارة يخرج دخانًا ضارًا، وكان إصلاح الخلل ممكنًا، فإصلاحه مسؤولية.
وكذلك صاحب المصنع: له أن ينتج وينتفع، وعليه أن يلتزم بما يحفظ سلامة الناس والبيئة.
وفي الزراعة والغذاء، ينبغي أن يكون استعمال المبيدات والأسمدة وسائر المواد وفق الضوابط التي تحفظ سلامة التربة والماء والغذاء، وألا يتحول طلب زيادة الإنتاج إلى استعمال غير منضبط لمواد ثبت ضررها.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾
[البقرة: 60].
الرحمة بالحيوان وإعمار الأرض
والبيئة تشمل النبات والحيوان كذلك.
قال النبي ﷺ:
في كل كبد رطبة أجر متفق عليه.
وقال ﷺ في المرأة التي عُذبت بسبب هرة حبستها حتى ماتت:
دخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هى أطعمتها وسقتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض
متفق عليه.
وأدخل الله رجلا الجنة فى كلب سقاه
فالأصل في التعامل مع الحيوان الرحمة، ولا يُعتدى عليه بلا حاجة معتبرة.
وكذلك الغرس من أبواب النفع، قال ﷺ:
ما من مسلم يغرس غرسًا، فيأكل منه إنسان أو دابة أو طير إلا كان له به صدقة متفق عليه.
فازرع إن استطعت، وحافظ على الخضرة، ولا تفسد ما فيه نفع.
وجعل النبي ﷺ إزالة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان، فقال:
«الإيمان بضع وسبعون شعبة… وأدناها إماطة الأذى عن الطريق
رواه مسلم.
فإذا رأيت ما يؤذي الناس وأمكنك إزالته، فبادر.
عمارة الأرض مسؤولية الجميع
أيها المسلمون، الإسلام لا يمنعك من الصناعة ولا الزراعة ولا استخدام السيارة ولا الانتفاع بالماء، بل دعا إلى عمارة الأرض.
قال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾
[البقرة: 29].
استعمل سيارتك وأصلحها.
اعمل في مصنعك والتزم ما يحفظ سلامة الناس.
ازرع أرضك واحفظ تربتها وغذاءها.
استخدم الماء ولا تهدره.
تخلص من نفاياتك ولا تتركها في الطرق أو الموارد.
ولا تجعل مسؤولية البيئة حجة تلقيها على الدولة أو البلدية أو المصنع.
نعم، على الجهات المختصة مسؤولياتها، لكن عليك أنت أيضًا مسؤولية.
قال تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
[المائدة: 2].
العمل النافع عبادة
وقد تتحول هذه الأعمال اليومية إلى عبادة إذا صلحت النية واستقام العمل.
إصلاح السيارة، والتخلص الآمن من النفايات، والمحافظة على الماء، وغرس شجرة، وإزالة الأذى من الطريق؛ أعمال قد تبدو صغيرة، لكنها عند الله ليست صغيرة إذا قصد بها الخير.
فالدين لا يعلمك كيف تصلي فقط، وإنما يعلمك كيف تعيش مع الله، وكيف تعامل الناس، وكيف تتعامل مع النعم التي استخلفك الله فيها.
وستُسأل عما تركت
قال تعالى:
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾
[الزلزلة: 7-8].
فلا تحتقر أثرًا نافعًا، ولا تستصغر فعلًا تظن أنه لا يهم.
قد تنسى ما فعلت، لكن الله لا ينسى.
ولهذا اسأل نفسك:
هل هذا من الإصلاح أم من الإفساد؟
الخاتمة
أيها المسلمون،
قد يظن الإنسان أن ما يفعله صغير لا يستحق الوقوف عنده: مخلف ألقاه، أو ماء أهدره، أو دخان تركه، أو طريق ترك فيه أذى، أو شجرة أهملها، أو حيوان آذاه.
لكن الله تعالى يقول:
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾
[الزلزلة: 7-8].
فليست القضية في حجم الفعل وحده، وإنما في الأثر الذي يتركه، والنية التي تحركه، والأمانة التي حملها الإنسان.
لا تستطيع أن تصلح العالم كله، ولا يُطلب منك ذلك.
لكن تستطيع أن تصلح ما يقع تحت يدك.
تستطيع أن تترك الطريق أنظف مما وجدته.
وتستطيع أن تحافظ على الماء بدل أن تهدره.
وتستطيع أن تصلح سيارتك إذا كان منها أذى.
وتستطيع أن تتخلص من نفاياتك بطريقة سليمة.
وتستطيع أن تزرع شجرة، أو تحافظ على شجرة زرعها غيرك.
وتستطيع أن تزيل أذى عن إنسان أو حيوان.
وهنا يتحول الأمر من حماية البيئة إلى عبادة يعيشها المسلم في تفاصيل يومه.
قال تعالى:
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[الأعراف: 56].
فإذا غادرت مكانًا، فاسأل نفسك:
هل تركت وراءي شيئًا أصلح مما وجدته؟
وإذا تركت أثرًا في حياة إنسان أو حيوان أو أرض أو ماء، فاسأل:
هل يشهد لي هذا الأثر، أم يشهد عليّ؟
هذه هي الأمانة.
وهذه هي حقيقة الاستخلاف.
وهذا هو الفرق بين إنسان مرَّ في الأرض، وإنسان عمّرها وأحسن المرور فيها.
#كامل_النحاس



