إرهاب الموائد.. عندما يصبح الغش الغذائي جريمة قتل عمد مع سبق الإصرار

بقلمي : جمال القاضي
في زمن سقطت فيه الأقنعة وتراجعت فيه القيم الإنسانية، نعيش هولا خلف كواليس صناعة الغذاء؛ زمانا بلغ فيه الفساد والتدليس قمة التوحش، ومات فيه الضمير البشري أمام بريق المال الحرام. لم يعد الفاسد يخضع لوازع يعاتبه أو دين يردعه، بل أعماه الجشع المادي حتى تفنن في حقن الموت في قوت الغَلَابَةِ. لقد تجاوز الإجرام في عصرنا الحالي كل حدود المنطق؛ فتارة يخلط نَوَى النخيل المحمص وَنَوَى الفواكه الكبيرة كالمشمش المحموص، أو بذور البِسِلَّةِ والبقوليات المحمصة بالتبن والكاكاو ليباع للبشر كبن خام، وتارة يعبأ التراب ونشارة الخشب المصبوغة ليقدم كشاي للشرب.
ولم يقف الطمع عند هذا الحد، بل طالعتنا الكوارث بمصانع تستخدم مسحوق الفحم في صناعة بسكويت الأطفال، وعصابات تذبح الخيول والحمير والكلاب لتقديمها للمطاعم كلحوم طازجة، ومخازن تترك فيها الأجبان لتكون جحورا للقوارض والرطوبة والديدان ثم تطرح للمستهلك. إنها ابتكارات شيطانية ينافس أصحابها على نيل جوائز في القتل البطيء.
الأبعاد المرعبة للغش المنظم.. أوجه الجريمة المفضوحة
إن ما نراه اليوم لم يعد مجرد احتيال مالي، بل هو جريمة صحية ممهدة تفرغ فيها السموم في كل بيت. فبالإضافة إلى المصانع المغشوشة، باتت الأسواق تعاني من أنماط خطيرة أخرى من الفساد؛ كإضافة المواد الكيميائية والمثبتات لعصير القصب لمنع تغير لونه وتسميم المشروب، أو استخدام المواد الكيميائية الحارقة في المطاعم للتسريع المميت في طهي الفول واختصار ساعات النضج على حساب صحة الملايين. كما انتشرت ظاهرة غش الأدوية والمكملات الغذائية بحبر الطابعات والأصباغ المنتهية الصلاحية وتعبئتها في كبسولات للمرضى، فضلا عن إضافة مادة “الفُورْمَالِين” السامة للألبان والأجبان لمنع تلفها والتظاهر بطزاجتها، واستخدام كبريتات النحاس لإعطاء الخضراوات المجمودة لونا أخضر زاهيا. إنها جرائم تستهدف أعضاء الإنسان الداخلية بلا رحمة.
القاتل الصامت.. المواد المغشوشة كسبب رئيسي لتفشي الأورام
هل يمكن لخلط مادة سامة أو عفنة بمادة غذائية أن ينتج شيئا آخر غير السم المميت؟ لقد كنا نتساءل دوما عن سبب الإحصائيات المرعبة لتفشي مرض السرطان والأمراض المستحدثة كإلتهابات الغدة الدرقية المنقلبة لأورام خبيثة، إذ تجاوزت النسب حدود المعقول وتخطت حاجز 25% في بعض المناطق. اليوم باتت الأسواق أمام الحقيقة؛ إنه العبث بقوت البشر. فالغذاء الطبيعي الذي خلقه الله نقيا تعرض لتلوث متعمد، إما بالمبيدات والهرمونات الكيميائية لتحفيز النمو القسري، أو بإضافة مواد صناعية محرمة دوليا لتوفير التكلفة. هذه المواد لم تكن يوما مجرد مخالفات تجارية، بل هي قنابل موقوتة تزرع في أجساد المواطنين لتمزق خلاياهم وتتلف خلايا المخ وتلوث الدم بميكروبات مميتة.
التكييف القانوني الجديد.. إعدام “تجار الموت” بموجب القتل العمد
تختلف عقوبة القتل في القوانين المشروعة باختلاف النية والقصد؛ فهناك عقوبة تتراوح مابين الإعدام او المؤبد للقتل العمد وعقوبة السجن للقتل الخطأ. لكننا اليوم أمام جريمة قتل عمدي ممهد ومنظم، غير مباشر عبر المائدة. إن من يضيف مادة يعلم يقينا أنها سامة أو مسرطنة أو تسبب مرضا، أو تؤدي لتلف عضوي ينتهي بالوفاة عاجلا أو أجلا، هو قاتل مع سبق الإصرار والترصد. لذا، لم يعد مقبولا أن تعامل هذه الجرائم كمخالفات تموينية أو غرامات مالية هزيلة.
من هنا، تصبح المطالبة بتعديل تشريعي حاسم ضرورة قومية وإنسانية؛ بأن يدرج نص يعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد كل من مارس الغش التجاري أو أمد الأسواق بمواد غذائية مغشوشة، بنية التربح، مع ثبوت احتواء هذه المواد على كيماويات أو مواد سامة تسبب مرضا عضالا أو وفاة.
واخيرا:
إن استرداد الأمان الصحي للبشرية يبدأ من ضرب هؤلاء التجار بيد من حديد، كي يعلم كل من تسول له نفسه المتاجرة بأرواح الناس أن المشنقة هي النهاية الحتمية لكل من يبيع الموت في طبق.



