بناء النفس بناء لا يتزلزل ولا يحيد

بناء النفس بناء لا يتزلزل ولا يحيد
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن من عوامل بناء النفس هو تدبر كتاب الله تعالي والوقوف عند أسمائه الحسنى وصفاته العلا، فكلنا يقرأ القرآن، وكثير منا يحفظ شيئامن القرآن ولكن هل من متدبر ربط حياته بالقرآن، وأقبل عليه تلاوة وتفسيرا وعلما وعملا وتدبرا، منه ينطلق، وإليه يفيء؟ أولئك البانون أنفسهم، أولئك الثابتون إذا إدلهمّت الخطوب، أولئك المسددون المهديون إذا أطلت الفتن برأسها، فأصبح الحليم حيرانا، وإن وقفة واحدة مع أسماء الله الحسنى وصفاته العلا الواردة في كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لتبني النفس بناء لا يتزلزل ولا يحيد، إنه السميع البصير ليس كمثله شيء، إنه العليم الخبير ليس كمثله شيء، لو تفاعل المؤمن مع اسم الله السميع العليم، فربّى نفسه عليها، فعلم أن الله يسمعه في أي كلمة ينطقها، في أي مكان يقولها وحده، مثنى، أمام الناس، فالله يسمعه سمعا يليق بجلاله.
بل إنه ليسمع ويرى دبيب النملة السوداء على الصفاة السوداء في الليلة الظلماء، إذن لصلح الحال، فيا أخي الحبيب اعلم أن أيام الدنيا كأحلام نوم، أو كظل زائل، إن أضحكت قليلا أبكت كثيرا، وإن سرت يوما أو أياما ساءت أشهرا وأعواما، وإن متعت قليلا منعت طويلا، وما حصلت للعبد فيها سرورا إلا خبأت له أضعاف ذلك شرورا، فقالت هند بنت النعمان لقد رأيتنا ونحن من أعز الناس وأشدهم ملكا، ثم لم تغب الشمس حتى رأيتنا ونحن أذل الناس، وأنه حق على الله عز وجل أن لا يملأ دارا حبرة إلا ملأت عبرة، وسألها رجل أن تحدثه عن أمرها، فقالت أصبحنا ذات صباح وما في العرب أحد إلا يرجونا، ثم أمسينا وما في العرب أحد إلا يرحمنا، وبكت أختها حرقة بنت النعمان يوما وهي في عزها، فقيل لها ما يبكيكي؟ فذكر أنها قالت رأيت كثرة أهلي وسرورهم، وقلما امتلأت دار سرورا إلا امتلأت حزنا.
وقال إسحاق بن طلحة دخلت عليها يوما، فقلت لها كيف رأيت عبرات الملوك؟ فقالت ما نحن فيه اليوم خير مما كنا فيه بالأمس، إنا نجد في الكتب أنه ليس من أهل بيت يعيشون في حبرة إلا سيعقبون بعدها عبرة، وأن الدهر لم يظهر بيوم يحبونه إلا بطن لهم بيوم يكرهونه، وخطب عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه فقال يا أيها الناس إنكم خلقتم لأمر، إن كنتم تصدقون به فإنكم حمقى، وإن كنتم تكذبون به فإنكم هلكى، إنما خلقتكم للأبد ولكنكم من دار إلى دار تنقلون، عباد الله إنكم في دار لكم فيها من طعامكم غصص، وعن شرابكم شرق، لا تصفو لكم نعمة تسرون بها إلا بفراق أخرى تكرهون فراقها، فاعلموا لما أنتم صارون إليه وخالدون فيه، ثم غلبه البكاء، فإن كنت نلت من الحياة وطيبها مع حسن وجهك عفة وشبابا، فاحذر لنفسك أن ترى متمنيا يوم القيامة أن تكون ترابا.
فأين نحن من هؤلاء؟ واعلموا يرحمكم الله إن من الفساد هو انتشار المعاصي والفواحش والشرك بالله، فنشر الفاحشة بين الناس، وتحبيبهم لها، وتذليل الصعوبات التي تواجهها، وتعارف الناس عليها حتى أصبحت المعاصي والفواحش شيئا مألوفا، هذا بلا شك فيه فساد البلاد والعباد، فقال ابن القيم رحمه الله، في قوله تعالى فى سورة الأعراف ” ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها ” قال أكثر المفسرين لا تفسدوا فيها بالمعاصي، والدعاء إلى غير طاعة الله تعالى، بعد إصلاح الله لها ببعث الرسل، وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله، فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به عز وجل، هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة، إنما هو بالشرك به ومخالفة أمره، فالشرك والدعوة إلى غير الله تعالى وإقامة معبود غيره، ومطاع متبع غير رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هو أعظم فساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا بأن يكون الله وحده هو المعبود المطاع، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم ليس إلا، ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض سببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك سببه مخالفة رسوله، والدعوة إلى غير الله ورسوله.



