حين يتحول التشكيك إلى إساءة.. لماذا أثارت تصريحات عماد الدين أديب هذا الغضب

كتب ضاحى عمار
أشعلت تصريحات الإعلامي عماد الدين أديب حالة من الغضب والجدل الواسع، بعدما ربط بين الظروف الاقتصادية التي تمر بها مصر وبين قدرتها على أداء دورها العسكري والإقليمي، وهو طرح اعتبره كثيرون تجاوزاً غير مقبول بحق مؤسسة عسكرية تحمل تاريخاً طويلاً من التضحيات والإنجازات الوطنية.
فالمؤسسة العسكرية المصرية ليست مجرد جهاز تابع للواقع الاقتصادي أو متغيرات الأزمات اليومية، بل هي كيان استراتيجي يمتلك عقيدة راسخة وخبرة ممتدة عبر عقود، جعلته واحداً من أبرز الجيوش في المنطقة. لذلك رأى منتقدو تصريحات أديب أن حديثه لم يكن مجرد تحليل سياسي أو قراءة اقتصادية، بل جاء أقرب إلى التقليل من شأن جيش ارتبط اسمه بالدفاع عن الأرض والهوية والأمن القومي.
الانتقادات التي وُجهت إلى أديب لم تأتِ فقط من منطلق الاختلاف معه، بل من شعور لدى كثيرين بأن تصريحاته حملت رسالة سلبية تمس صورة مصر في لحظة إقليمية حساسة، خاصة أن الحديث عن قدرة الدولة العسكرية لا يُنظر إليه باعتباره رأياً عادياً، وإنما باعتباره موقفاً قد يُستغل من أطراف خارجية تسعى إلى التشكيك في قوة الدولة ومكانتها.
ورأى عدد من المتابعين أن الربط بين إجراءات اقتصادية داخلية، مثل ترشيد استهلاك الكهرباء أو الحديث عن الديون، وبين جاهزية الجيش المصري، يُعد قراءة ضيقة لا تعكس طبيعة المؤسسات العسكرية الكبرى، التي تُدار وفق استراتيجيات مستقلة بعيدة عن المتغيرات اليومية. فالجيوش لا تُقاس فقط بحجم الإنفاق، وإنما بعناصر أكثر عمقاً تشمل الخبرة والقدرة التنظيمية والعقيدة القتالية والاستعداد المستمر.
وفي خضم هذا الجدل، تصاعدت أصوات غاضبة اعتبرت أن تصريحات أديب تجاوزت حدود النقد الطبيعي، ووصلت إلى مستوى الإساءة المعنوية لصورة الجيش المصري، خاصة أن المؤسسة العسكرية تمثل لدى قطاعات واسعة من المصريين رمزاً وطنياً لا يقبل التشكيك أو التقليل من مكانته.
كما ظهرت دعوات تطالب بإعادة النظر في مسؤولية الشخصيات الإعلامية تجاه ما تطرحه في الفضاء العام، باعتبار أن الكلمات التي تصدر عن إعلامي معروف لا تتوقف عند حدود الرأي الشخصي، بل تؤثر في تشكيل الانطباعات العامة، داخلياً وخارجياً. ويرى أصحاب هذا الرأي أن الإعلام يجب أن يكون مساحة للنقاش المسؤول، لا منصة لإثارة الشكوك حول مؤسسات تعتبر جزءاً من الأمن القومي للدولة.
البعض ذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن ما قيل لا ينسجم مع طبيعة الانتماء الوطني المتوقع من شخصية تحمل الجنسية المصرية، وأن الانتماء لا يُقاس بالهوية المكتوبة في الأوراق، بل بالمواقف التي تعكس احترام الدولة ومؤسساتها. ومن هنا ظهرت مطالبات غاضبة تدعو إلى محاسبة معنوية وإعلامية، انطلاقاً من قناعة بأن الخطاب الذي يضعف الثقة في الجيش لا يمكن التعامل معه باعتباره رأياً عابراً.
وفي المقابل، يرى فريق آخر أن الجدل الدائر يعكس حساسية كبيرة تجاه أي حديث يتعلق بالمؤسسات السيادية، وأن ردود الفعل جاءت نتيجة شعور شعبي واسع بأن الجيش المصري يمثل خط الدفاع الأول عن استقرار الدولة والمنطقة، وأن التشكيك في قدراته يفتح الباب أمام قراءات سلبية قد تُستخدم ضد مصر في سياقات سياسية وإقليمية مختلفة.
إن الأزمة الحقيقية لا تتعلق فقط بتصريح عابر، بل بما يحمله من دلالات وتأثيرات. فالكلمات التي تُقال في المجال العام قد تتحول إلى مادة للنقاش والانقسام،
لكنها أيضاً تكشف حجم الارتباط العاطفي والوطني بين الشعب ومؤسساته الكبرى. ولهذا جاء الغضب واسعاً، لأن القضية بالنسبة للكثيرين لم تكن مجرد رأي إعلامي، بل مسألة تمس صورة وطن وتاريخه وقوته.
وفي النهاية، يبقى النقاش مفتوحاً بين حدود حرية التعبير ومسؤولية الكلمة، لكن المؤكد أن الحديث عن مؤسسات الدولة الكبرى يظل ملفاً شديد الحساسية، وأن أي طرح يمس مكانة الجيش المصري سيظل محل متابعة وردود فعل واسعة، لأن المؤسسة العسكرية بالنسبة لقطاع كبير من المصريين ليست مجرد جهاز رسمي، بل جزء من الهوية الوطنية وركيزة من ركائز الاستقرار والسيادة



