نَفَحَاتُ الجُمُعَةِ وَدُرُوسٌ تَرْبَوِيَّةٌ لِلْأُمَّةِ:

بقلم/الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
المقدمة :
الحمد لله الذي جعل في أيامنا مواسمَ للرحمة، وفي ساعاتنا أبوابًا للمغفرة، وجعل يوم الجمعة عيدًا أسبوعيًّا للمسلمين، وميدانًا تتجدد فيه الصلة بالله، وتسمو فيه الأرواح، وتتوحد فيه القلوب.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾،[الجمعة: 9-10].
إنها آيات تحمل منهج حياة متكاملًا؛ فالإسلام لا يريد للإنسان عبادةً منفصلة عن واقعه، ولا عملًا منفصلًا عن أخلاقه، وإنما يريد قلبًا يذكر الله، ويدًا تعمل، ونفسًا تستقيم، ومجتمعًا يتراحم.
الدرس الأول : الله أولًا:
حين ينادي المنادي للصلاة، يأمرنا القرآن بترك البيع والانشغال، والتوجه إلى ذكر الله. وفي ذلك تربية عظيمة على ألا تستعبدنا الدنيا، وألا تتحول التجارة والمال والمصالح إلى غاية تنسينا خالقنا.
فالنجاح الحقيقي ليس في كثرة ما نملك، وإنما في ألا نَفقد أنفسنا ونحن نطلب ما نملك.
الدرس الثاني: العبادة تصنع الإنسان:
الجمعة ليست مجرد صلاة تؤدى، وإنما محطة أسبوعية لمراجعة النفس، وتصحيح الطريق، وتجديد العهد مع الله.
قال تعالى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾، [الشمس: 9-10].
فكل جمعة ينبغي أن نسأل أنفسنا: ماذا تغير في أخلاقنا؟ هل أصبحنا أرحم؟ أصدق؟ أكثر عفوًا؟ أبعد عن الظلم والغيبة والحسد والنفاق؟.
الدرس الثالث: الإسلام،والعمل:
بعد الصلاة يقول الله تعالى:
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾.
فالمؤمن يجمع بين عبادة الخالق، وعمارة الحياة، وبين المسجد والعمل، وبين التقوى والإنتاج، وبين الإيمان والمسؤولية.
وهنا رسالة للأمة: لا نبني مستقبلنا بالأماني وحدها، بل بالعلم والعمل والإتقان والأمانة.
الدرس الرابع: الجمعة موعد للمصالحة:
ما أجمل أن يكون يوم الجمعة فرصة لمصالحة القلوب، وإزالة الخصومات، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والسؤال عن الغائب، وإدخال السرور على المحتاج.
وقد قال النبي ﷺ: «خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ»، وحسنه عدد من أهل العلم.
فاجعل جمعتك بدايةً لخيرٍ يتجاوزك إلى غيرك.
نفحة الجمعة:
إن الجمعة ليست عقارب ساعة تمر، ولا خطبة تُسمع ثم تُنسى؛ إنها رسالة أسبوعية تقول لنا: عودوا إلى الله، أصلحوا قلوبكم، أحسنوا أخلاقكم، وأتقنوا أعمالكم.
فلنجعل كل جمعة بدايةً جديدة، لا مجرد يومٍ جديد؛ نترك فيه ذنبًا، ونصل فيه رحمًا، ونسامح فيه إنسانًا، ونجبر فيه خاطرًا، ونرفع فيه أكفَّ الضراعة إلى رب العالمين.
اللهم اجعل جمعتنا نورًا في قلوبنا، ومغفرةً لذنوبنا، وسعةً في أرزاقنا، وصلاحًا لأحوالنا، وأمنًا لأوطاننا، وألفةً بين قلوب المسلمين، وانصر الحق وأهله، وأصلح أمتنا، واهدِ شبابها، وارحم ضعفائها، واشفِ مرضاها، واغفر لموتاها.
جمعة مباركة، جعلها الله لنا ولكم نفحةَ رحمة، وبدايةَ إصلاح، وطريقًا إلى الفلاح.



