أمر غفل عنه الناس فى رمضان

بقلم / محمـــد الدكـــروري
قال تعالى فى كتابه الكريم ” شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الصوم فليصمه” ولكن هناك أمر غفل عنه الناس فى رمضان ألا وهو عدم استشعارهم أن رمضان شهر الصبر والمصابرة، والجهاد والمجاهدة، والفتوحات والانتصارات، فنجد الكثير من المسلمين إذا دخل رمضان اتخذوه فرصة للراحة، فتجدهم يقضون ليلهم فى السهر الذي قد يكون أحيانا على ما يغضب الله من النظر إلى فضائيات الشر وتدمير الفضيلة، أو النظر إلى الصور الخليعة، وقراءة المجلات الهابطة، أو اللعب بتلك الألعاب التى فيها القمار وما أشبه ذلك، ويقضون نهارهم فى النوم وتضييع الصلوات، وإهدار الأوقات، وربما استدل بعض المغفلين على جواز فعله ذلك بقوله “نوم الصائم عبادة” أيكون تضييع الصلوات عبادة، كيف انقلبت الموازين؟
وكيف صار بعض الناس يعتقد أنه يعبد الله بما حرم الله؟ إن هذا لهو العجب العجاب، ونسى أو تناسى هؤلاء أن رمضان شهر الجهاد والمجاهدة، والصبر والمصابرة، والفتوحات والإنتصارات، وأن في رمضان كانت كثير من المعارك الشهيرة بين المسلمين والكفار، ففى رمضان كانت غزوة بدر الكبرى التي فرق الله بها بين الحق والباطل كما قال عز وجل فى سورة الأنفال ” وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير ” وقال عروة بن الزبير في قول الله تعالى ” يوم الفرقان ” هو يوم فرّق الله بين الحق والباطل، وهو يوم بدر، وهو أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رأس المشركين عتبة بن ربيعة، فالتقوا يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مائة وبضعة عشر رجلا.
والمشركون ما بين الألف والتسع مائة، فهزم الله يومئذ المشركين، وقتل منهم زيادة على سبعين، وأسر منهم، ففى هذه المعركة كما سمعتم نصر الله المسلمين قليلي العدد والعدة على الكافرين كثيرى العدد والعدة، قال الله تعالى فى سورة آل عمران ” ولقد نصركم الله وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون” وإن الخطباء والدعاة إلى الله تعالى عليهم دور أساسى فى بعث هذه المعانى العظيمة فى نفوس المدعوين، وتبصيرهم بمدى ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعوهم والسلف الصالحون من بعدهم من همة عالية، وعزيمة قاربت الجوزاء، ونشاط ضرب الرقم القياسى، فرمضان يعطينا دفعة للأمام لا للوراء، لإتقان العمل، والجد والاجتهاد في السعي والضرب في الأرض، بتأدية الأعمال على وجهها الأكمل، والدعوة إلى الله بعدم تفريط ولا تقصير، والجهاد في سبيل الله بكل ما أوتي المجاهدون من قوة وعزيمة من حديد.
منطلقين من إيمانهم بعقيدتهم، وتفانيهم في نصرة دينهم، واستفراغهم الوسع فى الذب عن هذا الدين، وخصوصا وهم يؤدون أسمى العبادات، وأرقاها، وأميزها، عبادة الصيام، التي ترتفع فيها الروح لتعانق النجوم، لتسجد تحت العرش، حتى تسمع ملائكة الرحمن قرقرة البطون جوعا، وتحس بيبس الحلوق عطشا، فيقول تعالى ” ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم” فكان فى شهر رمضان من السنة الثامنة من الهجرة كان فتح مكة الذى بشر الله به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وقال ممتنا عليه فى سورة الفتح ” إنا فتحنا لك فتحا مبينا، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما، وينصرك الله نصرا عزيزا ” ففتح الله لرسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم القلوب بنزول القرآن فى رمضان.
وفتح له مكة التوحيد بالجهاد في رمضان، وفى هذه الغزوة انتصر الإيمان، وعلا القرآن، وفاز حزب الرحمن، ودحر الطغيان، وكسرت الأوثان، وخاب حزب الشيطان، وفى رمضان أيضا كانت معركة عين جالوت التي أعز الله فيها المسلمين بقيادة الملك المظفر قطز، وأخزى التتار الملحدين بقيادة هولاكو المغولى، وكسر شوكتهم، ولم تقم لهم بعدها قائمة، وذلك فى يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر رمضان عام ستمائة وثمانى وخمسين من الهجرة.


