أخبار التعليم

التعليم من وراء الشاشة حين اختار بيت جدته


بقلم نيفين صلاح
عشرون درجة كانت أمام طالب في الصف السابع ليكتب عن مكانه المفضل لكن النتيجة كانت صفرا كاملا بعدما اختار بيت جدته مكانا للسعادة والراحة بعيدا عن الواجبات والقوانين المدرسية

القصة التي بدأت بصورة استوقفتني لورقة اختبار في اللغة الإنجليزية جرى تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي تحولت إلى مادة للنقاش بين المعلمين وأولياء الأمور ليس بسبب إجابة الطالب وحدها بل بسبب المفارقة التي تختصرها النتيجة في رقم واحد طالب يصف المكان الذي يحبه بكل عفوية ويحصل على صفر من عشرين وكأن ما كتبه لا يستحق أي درجة

كتب الطالب أن بيت جدته هو مكانه المفضل لأنه يستطيع هناك تناول الحلوى واللعب بالهاتف ومشاهدة مقاطع التيك توك والنوم وقتما يشاء ولم يكتف بوصفه بالكلمات بل رسم نفسه مستلقيا على الأريكة ممسكا بهاتفه وبجواره مشروب ووجبة سريعة

هنا تظهر المفارقة التي جعلت الورقة حديث الناس فالطالب نجح في تحديد المكان الذي يشعر فيه بالراحة وقدم صورة واضحة لما يفعله هناك لكنه خرج من الاختبار بلا أي درجة فبين عالمه البسيط الذي يراه جميلا ومعايير التعبير المدرسي التي يفترض أن يلتزم بها وقفت علامة الصفر لتختصر المسافة بين الاثنين

هل كان الصفر عقابا على صراحة الطالب أم نتيجة لضعف لغته وعدم استيفاء شروط الموضوع التعبيري

لا يمكن الجزم من صورة متداولة وحدها بأن التصحيح كان ظالما أو عادلا فالحكم يتطلب الاطلاع على نص الإجابة الأصلي ومعايير التقييم لكن المؤكد أن حصول طالب على صفر كامل يثير تساؤلا مشروعا حول ما إذا كانت الإجابة قد خلت تماما من العناصر الصحيحة أم أن بعض جوانبها كان يمكن أن تستحق درجات جزئية

فالتعبير الكتابي لا يقاس بالفكرة وحدها ولا بجمالها فقط بل باللغة والمفردات وترابط الجمل والقدرة على وصف المكان وتقديم الأسباب ومع ذلك فإن الخطأ اللغوي لا يعني بالضرورة غياب كل محاولة ناجحة للتعبير ومن هنا تبرز أهمية التوازن في التصحيح بين الالتزام بالمعايير ومنح الطالب فرصة ليتعلم من أخطائه

أما اختيار بيت الجدة فلا يحتاج إلى كثير من التفسير فهناك يجد الطفل مساحة من الدلال والحرية وربما فرصة للهروب من ضغط الواجبات والاختبارات لكن المثير للتأمل أن الراحة في وصفه ارتبطت بالهاتف والحلوى والنوم أكثر مما ارتبطت بالقراءة أو اللعب أو الحديث مع أفراد الأسرة

وهذا لا يجعل الجدة مسؤولة عن المشكلة ولا يحول الطالب إلى متهم بل يعيد النقاش إلى واقع يعيشه كثير من الأطفال حيث أصبحت الشاشات جزءا أساسيا من يومهم وتراجعت أمامها أحيانا مساحة القراءة والخيال والأنشطة التي تساعدهم على بناء حصيلتهم اللغوية

إن حكاية الصفر ليست مجرد موقف طريف يصلح للتداول والسخرية بل فرصة لمراجعة دور الأسرة والمدرسة معا فالأسرة مطالبة بمساعدة الطفل على اكتشاف متع تتجاوز الهاتف والمدرسة مطالبة بأن تجعل من الأخطاء نقطة بداية للتعلم لا نهاية له

ويبقى السؤال الأهم هل يستحق طالب كتب عن سعادته في بيت جدته صفرا كاملا أم أن المفروض أن يحصل على درجات بقدر ما قدمه من لغة وأفكار صحيحة

قد لا تكشف ورقة واحدة حقيقة مستوى التعليم كله لكنها تضع أمامنا مفارقة يصعب تجاهلها طفل يكتب عن المكان الذي يحبه بكل تلقائية ثم يخرج من الاختبار بلا درجة واحدة وبين صدق الإجابة وصفر التصحيح تبقى الحاجة قائمة إلى تعليم يعرف كيف يقيس الخطأ دون أن يغلق باب التعلم أمام صاحبه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock