اخبارالمجتمع العربى

من الأنهار العابرة للحدود إلى أمن الدول فيينا تفتح ملف المياه على طاولة الدبلوماسية الدولية

بقلم هاله المغاورى
فيينا – 6 أكتوبر 2026
لم تعد قضية المياه مجرد ملف بيئي أو تنموي يمكن التعامل معه بمعزل عن السياسة والأمن والعلاقات الدولية. فمع تصاعد تأثير تغير المناخ، وتزايد الضغط السكاني، واتساع الاحتياجات الزراعية والصناعية، تتحول الأنهار العابرة للحدود بصورة متزايدة إلى اختبار حقيقي لقدرة الدول على إدارة المصالح المشتركة وفق قواعد القانون الدولي، بعيدًا عن منطق فرض الأمر الواقع.
ومن هذا المنطلق، استضافت العاصمة النمساوية فيينا، اليوم الثلاثاء، ندوة دولية رفيعة المستوى حول المياه في مقر الأكاديمية الدبلوماسية، جمعت دبلوماسيين وخبراء وأكاديميين وممثلين عن مؤسسات دولية لمناقشة واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا على أجندة العلاقات الدولية: كيف يمكن حماية الأمن المائي للدول، وفي الوقت نفسه ضمان إدارة عادلة ومستدامة للموارد المائية المشتركة؟
وجاءت الندوة بتنظيم مشترك بين سفارة جمهورية باكستان الإسلامية في فيينا والأكاديمية الدبلوماسية في فيينا، وتضمن برنامجها محورين رئيسيين؛ الأول تناول الأنهار العابرة للحدود وحقوق والتزامات الدول المتشاطئة في ضوء القانون الدولي للمياه، بينما ركز الثاني على الأمن المائي العالمي وسبل تعزيز التعاون الدولي.
أهمية النقاش الذي احتضنته فيينا لا ترتبط فقط بالمشكلات المائية التي تواجهها دولة بعينها، وإنما بطبيعة التحولات التي طرأت على مفهوم الأمن المائي نفسه.
فالمياه ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي والطاقة والصحة والتنمية والاستقرار الاجتماعي، فيما يمكن أن تؤدي النزاعات حول الأنهار المشتركة إلى توترات تتجاوز الحدود الجغرافية للدول المعنية.
ولهذا اكتسب محور الأنهار العابرة للحدود أهمية خاصة في المؤتمر، إذ لم يقتصر النقاش على كيفية تقاسم المياه، بل امتد إلى السؤال الأوسع: ما الذي تفرضه الاتفاقيات الدولية على الدول عندما تشترك في مورد مائي واحد؟ وكيف يمكن حماية حقوق دول المصب والمنابع معًا؟ وما الآليات التي تتيح تسوية الخلافات قبل تحولها إلى أزمات سياسية؟
اتخذ المؤتمر بعدًا سياسيًا واضحًا مع الكلمة الرئيسية التي ألقاها نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني، السيناتور محمد إسحاق دار، عبر رسالة مسجلة.
وركز دار على التحديات التي تواجه الأمن المائي نتيجة تغير المناخ والنمو السكاني والتوسع الحضري وأنماط الاستهلاك غير المستدامة، داعيًا إلى تعزيز التعاون الدولي وتطوير نظم الحوكمة والاستفادة من التكنولوجيا والابتكار.
غير أن الجزء الأكثر حساسية في الكلمة ارتبط بالعلاقة الهندية الباكستانية ومعاهدة مياه نهر السند، حيث أعرب الجانب الباكستاني عن اعتراضه على قرار الهند وضع المعاهدة في حالة «تعليق»، معتبرًا أن الاتفاقيات الدولية لا ينبغي أن تتحول إلى أدوات ضغط سياسي.
كما استندت الكلمة إلى قرار محكمة التحكيم الصادر في 31 أغسطس 2026، والذي قدمته باكستان باعتباره تأكيدًا لاستمرار سريان المعاهدة والتزامات أطرافها، إلى جانب الإشارة إلى الإجراءات القائمة أمام الخبير المحايد بشأن تصميم مشروعات كهرومائية هندية على الأنهار الغربية.
وهنا يتجاوز النقاش حدود الخلاف الثنائي بين إسلام آباد ونيودلهي؛ فالمسألة المطروحة أمام المجتمع الدولي تتعلق بمبدأ أوسع: إلى أي مدى تستطيع دولة أن تتخذ إجراءات أحادية الجانب بشأن مورد مائي تتقاسمه مع دول أخرى دون أن يؤثر ذلك في حقوق الطرف الآخر؟
أحد أبرز الرسائل التي خرجت بها الندوة تمثل في التأكيد على أن الأنهار المشتركة لا ينبغي أن تكون مصدرًا للصراع، بل يمكن أن تتحول إلى مساحة للتعاون.
وهذه الفكرة تكتسب أهمية خاصة في ظل عالم تتزايد فيه الضغوط على الموارد الطبيعية. فالمعاهدات المائية لا تؤدي وظيفة قانونية فقط، وإنما توفر أيضًا إطارًا للتنبؤ بسلوك الدول، وتحدد آليات تبادل المعلومات والتشاور وتسوية الخلافات.
ومن هنا يصبح احترام الاتفاقيات القائمة جزءًا من منظومة أوسع للأمن والاستقرار، وليس مجرد التزام قانوني بين دولتين.
ولم تكن المشاركة المصرية في الندوة هامشية، إذ شارك السفير محمد إبراهيم نصر في الجلسة الأولى التي تناولت الأنهار العابرة للحدود والقانون الدولي للمياه، إلى جانب الأستاذة الدكتورة Ayşegül Kibaroğlu من جامعة MEF، ومهر علي شاه، مفوض مياه نهر السند في باكستان، الذي شارك عبر الإنترنت.
وتكتسب المشاركة المصرية أهمية خاصة في ظل المكانة التي يحتلها ملف المياه في السياسة المصرية، وما يرتبط به من قضايا الأنهار الدولية وحقوق الدول المتشاطئة والتعاون الإقليمي.
كما أن وجود مصر إلى جانب باكستان ودول أخرى في نقاش أكاديمي ودبلوماسي واحد يعكس اتساع نطاق قضية المياه من نزاعات أو ملفات إقليمية منفصلة إلى قضية دولية تتطلب قواعد مشتركة وآليات تعاون متعددة الأطراف.
ومن هذه الزاوية، لم تكن المشاركة المصرية مجرد حضور دبلوماسي في مؤتمر دولي، بل جاءت ضمن جلسة تمس جوهر قضية تمثل أحد الملفات الاستراتيجية في السياسة الخارجية المصرية.
أما الجلسة الثانية، فوسعت نطاق النقاش من النزاعات المرتبطة بالأنهار إلى الأمن المائي العالمي والتعاون الدولي، بمشاركة دبلوماسيين وخبراء يمثلون دولًا ومؤسسات دولية مختلفة.
وشارك في النقاش السفير Manuchehr Jobir من طاجيكستان، والسفير Vu Le Thai Hoang من فيتنام، إلى جانب Natalie Degger من منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية «اليونيدو»، وJodie Miller من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وأظهرت تركيبة المشاركين أن معالجة أزمة المياه لم تعد مسؤولية وزارات المياه وحدها، إذ تتقاطع القضية مع الصناعة والطاقة والعلوم والتكنولوجيا والسياسة الخارجية والتنمية المستدامة.
كما تناولت المناقشات أهمية الأدلة العلمية والممارسات الصناعية المستدامة والابتكار في إدارة الموارد المائية، بما يعكس تحولًا تدريجيًا من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى محاولة بناء أنظمة أكثر قدرة على التنبؤ والتكيف.
وافتتح أعمال الندوة السفير مارتن إيختينغر، مدير الأكاديمية الدبلوماسية في فيينا، إلى جانب السفير محمد كمران أختر مالك، سفير باكستان لدى النمسا، فيما أدار الجلسات عدیل أحمد خان، نائب رئيس بعثة سفارة باكستان في فيينا.
ويعكس اختيار الأكاديمية الدبلوماسية في فيينا لاستضافة هذا النقاش طبيعة الموضوع نفسه؛ فالمياه العابرة للحدود تحتاج إلى أكثر من الحلول التقنية، وتحتاج إلى دبلوماسية قادرة على تحويل المصالح المتعارضة إلى ترتيبات قابلة للاستمرار.
تكمن أهمية الندوة في أنها لم تتعامل مع المياه باعتبارها مجرد مورد محدود، وإنما باعتبارها عنصرًا متداخلًا مع الأمن والسلام والتنمية والعلاقات الدولية.
فالأنهار لا تتوقف عند الحدود السياسية، لكن الاتفاقيات والقواعد القانونية هي التي تحدد كيفية تعامل الدول معها.
ومن هنا، فإن حماية الأمن المائي في المستقبل لن تعتمد فقط على زيادة الموارد أو تطوير تقنيات الري والتحلية وإعادة الاستخدام، وإنما ستعتمد كذلك على قدرة الدول على بناء الثقة، وتبادل المعلومات، واحترام الاتفاقيات، وتطوير آليات فعالة لتسوية الخلافات.
وفي ختام المؤتمر، وجه السفير الباكستاني لدى النمسا محمد كمران أختر مالك الشكر إلى المشاركين والحضور، مؤكدًا أهمية استمرار الحوار الدولي حول قضايا المياه.
وبينما غادرت قضية المياه قاعة الأكاديمية الدبلوماسية بعد ساعات من النقاش، بقي السؤال الأهم مفتوحًا أمام المجتمع الدولي: هل تستطيع الدبلوماسية أن تسبق أزمة المياه، أم أن العالم سيضطر إلى انتظار الأزمات حتى تتحول الأنهار المشتركة إلى ساحات جديدة للصراع؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى