السلام تصنعه القوة

السلام تصنعه القوة
في ذكرى النصر.. من عبور أكتوبر إلى حماية مصر وصناعة الاستقرار
بقلم:
د. كامل عبد القوى النحاس
في ذكرى السادس من أكتوبر، لا نستعيد معركة عبرت فيها قواتنا المسلحة قناة السويس فحسب،
بل نستعيد يومًا استعاد فيه المصري ثقته بنفسه، وتثبت فيه أن الأمة التي تنكسر قادرة على النهوض من بين ركامها، وكتابة فصل جديد من تاريخها بدم أبنائها.
فلولا أن قيّض الله لمصر رجالًا استحبوا الموت العزيز على العيش الذليل، ما أصبح أكتوبر واحدًا من أعظم أيام التاريخ العسكري الحديث.
لم يكن المشهد الذي سبق الحرب متكافئًا؛ فإسرائيل امتلكت تفوقًا عسكريًا وتقنيًا واقتصاديًا، وتحصينات هائلة على الضفة الشرقية لقناة السويس، بينما كانت مصر تلملم جراح يونيو 1967.
لكن مصر لم تستسلم لمعادلة أن التفوق يعني استحالة النصر.
بدأت القوات المسلحة رحلة شاقة لإعادة البناء والتنظيم والتدريب والتخطيط، واستفادت من دروس حرب الاستنزاف، واستعادت قدرتها على المبادرة، حتى جاء السادس من أكتوبر 1973.
فكان العبور.
لم يكن العبور مجرد اجتياز لمجرى مائي، بل كان عبورًا من الهزيمة إلى الإرادة، ومن انتظار الحل إلى صناعته.
وأثبتت الحرب أن النصر لا يُقاس بالأرقام وحدها؛ فليست الطائرات والدبابات والمدافع وحدها من تحسم المعارك، وإنما العقيدة والإرادة والتخطيط والانضباط، والقدرة على تحويل الإمكانات إلى فعل.
ولهذا أصبحت حرب أكتوبر درسًا عسكريًا مهمًا في التخطيط والتمويه والخداع الاستراتيجي وإدارة العمليات، لكنها كانت في الوقت نفسه درسًا للمصري كله: أن الأمة حين تستعيد إرادتها تستطيع أن تغير المعادلة.
ولم تتعامل مصر مع أكتوبر باعتباره نهاية الطريق، بل بداية لمرحلة جديدة.
فواصلت تطوير قواتها المسلحة وتحديثها، وتنويع مصادر تسليحها، وبناء قدراتها البرية والجوية والبحرية والدفاع الجوي، ودعم التصنيع الدفاعي والقدرات الوطنية؛ لأن الدولة التي تريد أن تحمي قرارها لا تكتفي بذكر انتصارها، بل تبني القدرة التي تصون هذا القرار.
وهنا اتصل العسكري بالسياسي.
فلم تكن الحرب بديلًا عن السياسة، كما لم تكن السياسة قادرة وحدها على استرداد الحق دون تغيير الواقع. أعادت حرب أكتوبر تشكيل المعادلة، ثم جاء المسار السياسي الذي انتهى باتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، وما ترتب عليهما من انسحاب إسرائيلي وعودة السيادة المصرية إلى سيناء.
وهكذا لم يكن السلام استسلامًا، كما لم يكن الانتصار دعوة إلى حرب دائمة؛ بل أثبتت التجربة المصرية أن الدولة تستطيع أن تقاتل حين يصبح القتال ضرورة، وأن تفاوض حين يصبح التفاوض طريقًا إلى تحقيق مصلحتها، وأن تحمي قرارها السياسي بقدرة تجعل خياراتها أكثر اتساعًا.
القوة هنا لم تكن غاية، وإنما كانت سندًا للقرار؛ والسلام لم يكن ضعفًا، وإنما كان ثمرة لقرار تملكه الدولة وتحميه.
ومن هنا يحضر أكتوبر في واقعنا اليوم، لا باعتباره ذكرى من الماضي، وإنما باعتباره درسًا ما زال صالحًا للحاضر.
فمصر تتحرك في إقليم تغيرت خرائطه، وتزايدت أزماته، وتشابكت فيه المصالح والصراعات، وتمتد التحديات إلى أكثر من اتجاه؛ وهو ما لا يسمح لدولة بحجم مصر أن تعيش على افتراض أن الأخطار بعيدة أو أن الاستقرار أمر مضمون.
ولهذا فإن بناء القوة المصرية ليس ترفًا ولا استعراضًا.
فتأمين الحدود، وحماية المجالات البحرية والجوية، وتطوير القوات المسلحة، وتنويع مصادر التسليح، ودعم القدرات الوطنية، وتعزيز قدرة الدولة على التحرك في الوقت المناسب، كلها عناصر في منظومة واحدة: أن يكون القرار المصري قادرًا على حماية نفسه.
لكن مصر لا تحتاج إلى القوة العسكرية وحدها.
فثقلها الجغرافي والتاريخي، وموقعها العربي والإفريقي، ودورها في قضايا المنطقة، يجعل السياسة الخارجية جزءًا أصيلًا من أمنها القومي.
القوة بلا حكمة قد تتحول إلى عبء، والسياسة بلا اقتدار قد تتحول إلى أمنيات.
ومن هنا تحتاج مصر إلى الجمع بين الردع والحكمة، وبين حماية المصالح وفتح أبواب التهدئة، وبين الحضور المؤثر والاتزان السياسي؛ فلا تدخل كل صراع، ولا تنسحب من كل أزمة، وإنما تعرف متى تتقدم، ومتى تفاوض، ومتى تستخدم ثقلها لمنع الأزمة من أن تتحول إلى حرب.
وهنا يمكن لمصر أن تؤدي دورها الطبيعي بوصفها قوة مركزية في الشرق الأوسط؛ تسهم في صناعة الاستقرار، وترعى فرص السلام، وتحمي أمنها القومي، وتدافع عن مصالحها، وتحافظ على امتدادها العربي والإفريقي والإسلامي.
فمصر لا تحتاج إلى أن تدخل كل معركة لتثبت حضورها، ولا إلى أن تنسحب من كل أزمة لتحمي نفسها؛ وإنما تحتاج إلى حضور يعرف متى يكون حاسمًا، ومتى يكون دبلوماسيًا، ومتى تكون الحكمة فيه أقوى من المواجهة.
أما الشعب المصري، فله ذاكرة لا تمحوها الاتفاقيات.
يتذكر الأرض التي احتلت، والشهداء الذين بذلوا أرواحهم، وسنوات الصراع، كما يتذكر يوم العبور الذي أعاد إليه الثقة بأن ما ضاع يمكن استرداده.
والسلام لا يعني محو الذاكرة، كما أن الذاكرة لا تعني الدعوة إلى الكراهية.
فنحن لا نحتاج إلى أن نكره أحدًا لنحب مصر، ولا إلى أن ننسى شهداءنا لنحافظ على السلام.
فالعاقل لا يمحو تاريخه، وإنما يتعلم منه.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي في ذكرى أكتوبر ليس:
ماذا فعل الذين عبروا؟
فنحن نعرف ما حققوه.
بل السؤال:
ماذا نفعل نحن بما تركوه لنا؟
إن واجبنا اليوم أن نكمل العبور: من قوة تحمي الوطن إلى قوة تبنيه، ومن الاستجابة للأزمات إلى استباقها، ومن الاحتفال بالنصر إلى امتلاك وعيه، ومن ذاكرة أكتوبر إلى مسؤولية أكتوبر.
فأكتوبر لم يكن يومًا انتهت فيه الحرب فحسب، بل يومًا استعادت فيه مصر تعريفها لنفسها: دولة لا تُفرض عليها إرادة، ولا تبحث عن الحرب لذاتها، ولا تدخل السلام من باب الضعف، وإنما تختار طريقها وفق مصالحها، وتحمي خياراتها بما تملك من قدرة وحكمة.
ويبقى الدرس الأكبر أن السلام المستقر لا يقوم على الأمنيات، وإنما يحتاج إلى دولة تعرف قدرها، وتصون قرارها، وتحمي حدودها، وتملك من القوة ما يردع العدوان، ومن الحكمة ما يجنبها حروبًا يمكن تجنبها.
لقد عبر الجنود المصريون قناة السويس في السادس من أكتوبر، لكنهم في الحقيقة عبروا بمصر كلها من ضفة الانكسار إلى ضفة الإرادة.
واليوم، بعد أكثر من نصف قرن، لا يكون الوفاء لهم بتكرار كلمات النصر، وإنما بأن نبقى على قدر ذلك العبور؛ أن نبني دولة قوية، تحمي أرضها، وتصون قرارها، وتستخدم قوتها بعقل، وتفتح للسلام طريقه من موقع القدرة.
رحم الله شهداء مصر، وحفظ جيشها، وصان أرضها، وأدام عليها الأمن والسلام.
تحية إلى أكتوبر… اليوم الذي لم تستعد فيه مصر أرضًا فحسب، بل استعادت يقينها بأنها قادرة على حماية إرادتها وصناعة مستقبلها. ومن يعرف قيمة ذلك اليوم، لا يكتفي بأن يتذكر كيف عبر المصريون القناة، بل يسأل نفسه:
كيف نعبر بمصر اليوم إلى غدٍ يليق بهذا النصر؟



