فاعليات

مؤتمر في الأمم المتحدة بفيينا يعيد تعريف قيمة كبار السن في مجتمع يتجه نحو طول العمر


بقلم: هالة المغاوري فيينا
أصبحت زيادة متوسط العمر تحولًا يعيد تشكيل الأسرة وسوق العمل والتعليم والرعاية والسكن والعلاقات الاجتماعية. وفي هذا السياق، بحث مؤتمر دولي استضافته الأمم المتحدة في فيينا كيفية تحويل سنوات العمر الإضافية إلى سنوات من الصحة والكرامة والمشاركة، بدلًا من أن تصبح سببًا للعزلة.
جاء ذلك خلال مؤتمر «ربط الأجيال: إعادة اكتشاف قيمة كبار السن في مجتمع متقدم في العمر» (Connecting Generations: Rediscovering the Value of Our Elders in an Aging Society)، الذي عقد في فيينا الاثنين 5 أكتوبر 2026، في إطار فعاليات اليوم الدولي لكبار السن، بمشاركة ممثلين عن الأمم المتحدة والمجتمع المدني والجامعات والمؤسسات المعنية بالشيخوخة.
ونظمت المؤتمر لجنة المنظمات غير الحكومية المعنية بالشيخوخة لدى الأمم المتحدة في فيينا (NGO Committee on Ageing at the United Nations Vienna)، بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) ووحدة المجتمع المدني، وبمشاركة مؤسسات ومنظمات تعمل في مجالات حقوق كبار السن والتعليم والعمل المجتمعي.


ويأتي المؤتمر في وقت تضع فيه الأمم المتحدة قضية طول العمر ضمن أولويات النقاش الدولي، تحت شعار اليوم الدولي لكبار السن لعام 2026: «عصر طول العمر: إعادة التفكير في الأنظمة من أجل حياة أطول» (The Age of Longevity: Rethinking Systems for Longer Lives).
ومن أبرز الرسائل التي خرجت بها جلسات المؤتمر أن الشيخوخة لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها مشكلة تخص فئة عمرية بعينها، بل مرحلة طبيعية من حياة الإنسان، وأن السياسات العامة يجب أن تنظر إلى احتياجات الفرد وقدراته وظروفه، لا إلى عمره فقط.


وقدمت كريستين شوارز-كوبس (Christine Schwarz-Kops)، رئيسة المجلس الاتحادي النمساوي وعضو المجلس الاتحادي، صورة عن التحول الديموغرافي في النمسا، مشيرة إلى أن نحو 1.84 مليون شخص تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر كانوا يعيشون في البلاد عام 2024، مع توقع ارتفاع العدد إلى نحو 2.46 مليون بحلول عام 2040 وفق السيناريو الرئيسي.


غير أن هذه الأرقام لا تعني أن جميع كبار السن يمثلون احتياجات واحدة. فهناك من يواصل العمل أو الدراسة، ومن يمارس التطوع، ومن يرعى أفراد أسرته، بينما يحتاج آخرون إلى الدعم والرعاية. ومن هنا برزت الدعوة إلى الانتقال من مفهوم «رعاية كبار السن» إلى مفهوم «دمج كبار السن» في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.


وتناول بيلي باتوار (Billy Batware) من مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة قضية الاحتيال الرقمي الذي يستهدف كبار السن، لكنه ربطها أيضًا بأهمية التعاون بين الأجيال. فالشباب يمكنهم مساعدة كبار السن في التعامل مع التكنولوجيا، بينما يمتلك كبار السن خبرات حياتية يمكن أن يستفيد منها الشباب.


وأشار إلى مشاورات جمعت كبار السن والشباب، وإلى أدوات توعوية من بينها «مجموعة إشارات خطر الاحتيال» (Scam Danger Signal Toolkit)، التي تستخدم نظامًا مبسطًا بالألوان لمساعدة الأشخاص على التعرف إلى علامات الخطر والتوقف قبل الاستجابة لرسائل أو مكالمات مشبوهة.
وأكد الطرح أن حماية كبار السن لا ينبغي أن تتم نيابة عنهم فقط، بل من خلال إشراكهم في تصميم الحلول التي تستهدف حمايتهم.


أما ناديا دارابروفا (Nadia Darabrova) من جامعة كومينيوس في براتيسلافا (Comenius University in Bratislava)، فركزت على التعليم مدى الحياة، مؤكدة أن التقاعد لا يعني نهاية الحياة المنتجة، وإنما يمكن أن يمثل بداية مرحلة جديدة من التعلم واكتشاف الذات.


وقدمت نماذج للتعلم المشترك بين الشباب وكبار السن، تقوم على تبادل المعرفة بدلًا من انتقالها في اتجاه واحد. فالشباب يمتلكون مهارات التكنولوجيا والتعامل مع الأدوات الحديثة، بينما يقدم كبار السن الخبرة والمعرفة المتراكمة. ويمكن لهذا التفاعل أن يأخذ شكل مشروعات مشتركة أو أنشطة ثقافية ورياضية أو رحلات وبرامج تعليمية.


كما تناول المؤتمر السكن باعتباره مساحة يمكن أن تتحول إلى جسر بين الأجيال. ففي فيينا تعمل منصة Wohnbuddy على إقامة شراكات سكنية بين كبار السن الذين يمتلكون مساحة أكبر من احتياجاتهم، وشباب يبحثون عن سكن مناسب.
وفي غراتس، طُرح نموذج «Housing for Help»، حيث يحصل الطلاب على مساحة للسكن مقابل تقديم قدر متفق عليه من المساعدة اليومية، مثل التسوق أو أعمال الحديقة أو قضاء بعض الوقت مع صاحب المسكن.


وتكشف هذه التجارب أن السكن يمكن أن يتجاوز وظيفته التقليدية ليصبح مساحة لعلاقة إنسانية وتبادل بين جيلين.
وعلى المستوى المحلي، عرضت شوارز-كوبس تجارب من مدن ومناطق نمساوية، بينها مودلينغ (Mödling)، حيث تعاونت البلدية مع كاريتاس (Caritas) لتوفير أماكن مفتوحة للقاء السكان والحوار والطبخ المشترك والحصول على المشورة.
وفي غوتسيس (Götzis) ودورنبيرن (Dornbirn) في فورارلبرغ، طُرح نموذج «بيت الأجيال»، الذي يجمع خدمات للأطفال وكبار السن في بيئة متقاربة، بما يسمح بحدوث لقاءات طبيعية بين الأجيال.


وفي هذا السياق، أكدت التجارب أن البلديات يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في مكافحة العزلة الاجتماعية، من خلال خلق أماكن وفرص للتواصل بدلًا من الاكتفاء بتقديم الخدمات التقليدية.
وقدمت الطبيبة والباحثة ماريا غابرييلا توماسيني (Maria Gabriella Tomassini) بعدًا علميًا وإنسانيًا للنقاش، تناول العلاقة بين الشيخوخة والصحة النفسية والقدرات المعرفية والعلاقات الإنسانية.


وتحدثت عن ظاهرة «المسنين الفائقين» (Super-Agers)، وهم أشخاص يحتفظون بقدرات معرفية مرتفعة رغم تقدمهم في العمر، مؤكدة أهمية الحركة والتعلم والنوم والعلاقات الاجتماعية والشعور بالهدف في دعم الشيخوخة الصحية.
لكنها شددت بصورة خاصة على خطورة الوحدة، التي لا تمثل مجرد مشكلة اجتماعية، بل قد تزيد من هشاشة الإنسان أمام الاكتئاب والاستغلال والاحتيال.


وهنا التقت رؤيتها مع قضية الاحتيال الرقمي التي طرحها باتوار، إذ إن حماية كبار السن لا تتعلق بالتكنولوجيا وحدها، وإنما أيضًا ببناء علاقات اجتماعية تقلل من العزلة.
وفي أكثر من مداخلة، ظهر نموذج الأجيال الثلاثة ــ الأطفال والشباب، الآباء، والأجداد ــ باعتباره أساسًا يمكن أن تقوم عليه منظومة اجتماعية أوسع، تشارك فيها الدولة والبلديات والمؤسسات والمجتمع المدني.


فالمؤسسات لا تستطيع أن تحل محل الأسرة أو أن تصنع العلاقات الإنسانية، لكنها تستطيع توفير الأماكن والبرامج والظروف التي تسمح لهذه العلاقات بأن تنشأ وتستمر.
وفي هذا تكمن إحدى أهم خلاصات مؤتمر فيينا: المشكلة ليست في أن الناس يعيشون أعمارًا أطول، وإنما في أن الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية قد لا تكون تطورت بالسرعة نفسها.
ومع ارتفاع أعداد كبار السن، يصبح من الضروري إعادة التفكير في سوق العمل والتقاعد والتعليم والسكن والرعاية الصحية والتطوع والتكنولوجيا، بما يضمن استمرار المشاركة والاستقلال والكرامة.


كما أن النظر إلى كبار السن باعتبارهم «عبئًا ديموغرافيًا» فقط يتجاهل ما يمثلونه من خبرة ورأس مال اجتماعي، سواء من خلال العمل أو التطوع أو رعاية الأسرة أو نقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة.
وهكذا انتقل النقاش في الأمم المتحدة بفيينا من سؤال «كيف نرعى كبار السن؟» إلى سؤال أكثر شمولًا: كيف نبني مجتمعًا يستطيع الإنسان أن يعيش فيه عمرًا أطول دون أن يعيش حياة أكثر عزلة؟
فالجيل الأصغر يحتاج إلى خبرة من سبقه، وكبير السن يحتاج إلى التواصل مع عالم يتغير بسرعة، والمجتمع يحتاج إلى كليهما.


وبذلك جاءت رسالة مؤتمر «ربط الأجيال» واضحة: طول العمر ليس مجرد زيادة في عدد السنوات، بل فرصة لإعادة بناء العلاقة بين الأجيال، بحيث لا تكون الشيخوخة انسحابًا من الحياة، وإنما مرحلة جديدة من المشاركة والعطاء والانتماء.
أعتقد أن هذه النسخة أفضل للنشر من السابقة: المقدمة أصبحت أقصر، والتكرار أقل، مع الاحتفاظ بالبعد التحليلي وأهم الأمثلة والمتحدثين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى