قصص

زوجة الأب


سالي النجار تكتب
كانت لنا جارة تزوجت رجلًا أرمل كان لديه ولد وبنتان كانت قد تأخر بها الزواج فوافقت عليه وربما ظن الجميع أنها ستجد في هذا البيت فرصة لبداية جديدة وسيجد هو امرأة ترعى أبناءه وتمنحهم بعضًا مما فقدوه برحيل أمهم
لكن ما حدث بعد الزواج كان مختلفًا تمامًا
تحولت المرأة شيئًا فشيئًا إلى قسوة تمارسها على أبناء زوجها وكأن وجودهم في البيت عبء لم تختره وكأنهم ينافسون أبناءها الذين أنجبتهم هي
وأذكر أن إحدى بناته جاءها عريس فبدل أن تفرح لها وتساعدها على أن تبدأ حياتها راحت تحرض والدها حتى لا يجهز ابنته ولا يساعدها على الزواج


لكن أعمام الفتاة وجدها وقفوا إلى جوارها وأتموا تجهيزها رغم كل شيء
أما الأب فكان حاضرًا كأنه غائب فقد أقنعته زوجته بأن لديه أبناءً صغارًا يحتاجون إلى المال بينما كانت الحقيقة التي ظهرت لي من تصرفاتها أنها لم تكن تريد للابنة أن تتزوج أصلًا كانت تريدها أن تبقى في البيت تخدمها وتخدم أبناءها وكأنها خُلقت لتكون خادمة في بيت أبيها لا ابنة لها حق في الحياة
وظل هذا المشهد عالقًا في ذاكرتي
ثم منذ أيام شاهدت مقطع فيديو لفتاة لم تبلغ السابعة عشرة تقف أمام باب بيت أبيها تنادي
يا بابا افتح لي
كانت زوجة أبيها تقف خلف الباب تدفعها إلى الخارج وتقول لها إنها لم تعد تملك مكانًا في هذا البيت وأنها تزوجت أباها بدونها وأن عليها أن تعود إلى أمها
انهارت الفتاة أمام الباب وهي تبكي
أمي طردتني أنا ماليش مكان أروح له
لكن الباب ظل مغلقًا
كانت حقيبتها تُرمى أمامها وكانت تُطرد من بيت أبيها بطريقة لا تليق حتى بإنسان غريب فما بالك بطفلة تقف أمام بيت أبيها وهي تبحث عن مأوى
توقفت طويلًا أمام هذا المشهد وسألت نفسي
كيف يستطيع قلب أم أن يفعل ذلك وكيف يستطيع قلب امرأة أن يرى طفلة مكسورة بهذا الشكل ولا يتحرك
ليس كل زوجة أب قاسية وليس كل أب يترك أبناءه من أجل زوجته فهناك زوجات آباء أصبحن أمهات حقيقيات لأبناء لم يلدنهم وهناك آباء حافظوا على أبنائهم ولم يسمحوا لأحد أن يشعرهم يومًا أنهم غرباء في بيتهم


لكن المشكلة ليست في لقب زوجة الأب
المشكلة في الإنسان حين يتجرد من الرحمة
أتذكر أمي حين كانت ترى طفلًا يتيمًا كانت تبكي من شدة تأثرها وربما كان هذا أحد الأسباب التي جعلتني قبل الزواج أقرر أن أتكفل بطفل يتيم ولو بالقليل ببعض الرعاية وبعض الحنان وبعض الشعور بأن هناك إنسانًا في هذا العالم لم ينسه
فالطفل لا يحتاج دائمًا إلى المال بقدر ما يحتاج إلى يد تطمئنه وصوت يقول له أنت لست وحدك
والأشد إيلامًا أنني منذ أشهر عُرض عليّ أمر لا يزال يؤلمني حتى الآن امرأة أرادت أن تبيع ابنتها لأنها تريد الزواج وكانت ترى في طفلتها عقبة أمام حياتها الجديدة
أي قسوة وصلنا إليها حتى يصبح الطفل عقبة أمام زواج أمه أو أبيه


الأطفال ليسوا حقائب يمكن تركها أمام الأبواب ولا عقبات نتخلص منها عندما تتغير الظروف
هم أرواح صغيرة لا ذنب لها في طلاق ولا في وفاة ولا في زواج جديد ولا في خلافات الكبار
ولهذا أرى أننا بحاجة إلى تشريعات أكثر صرامة تحمي الطفل من الإهمال والعنف والطرد والاستغلال وإلى رقابة حقيقية على من يتولى مسؤولية طفل لا يستطيع الدفاع عن نفسه
ورربما نحتاج قبل الزواج إلى قدر أكبر من الوعي والتأهيل النفسي والاجتماعي لأن الزواج ليس مجرد عقد بين رجل وامرأة وإنما قد يكون معه أطفال يصبحون جزءًا من المسؤولية
فمن لا يستطيع أن يرحم طفلًا فكيف سيحمل مسؤولية بيت
نحن لا نحتاج جيلًا جديدًا يعيش تحت سقف واحد وهو يشعر أنه بلا وطن
نحتاج أن يفهم كل أب وكل أم وكل زوج وزوجة أن الطفل أمانة
وأن كسر قلب طفل قد يترك فيه جرحًا لا تراه العين لكنه يظل معه سنوات طويلة
فالبيت الحقيقي ليس أربعة جدران
البيت هو المكان الذي يشعر فيه الطفل بالأمان والحب والاهتمام والرعاية
الكاتبة والشاعرة سالي النجار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى