احبارالفن

فلتر الثمانينات رحلة في الذاكرة



بقلم نيفين صلاح محمد جاد

لماذا عندما نريد ان نعطي لصورة حديثة روحا مختلفة نختار لها غالبا شكل الثمانينات؟
قد يبدو الامر في البداية مجرد فلتر نضعه على الصورة لكن الفكرة في الحقيقة اكبر من ذلك بكثير فهي ترتبط بالحنين والذاكرة وبالشعور الذي تمنحه لنا صورة تبدو وكأن وراءها حكاية .
صور الثمانينات لم تكن مثالية بالمعايير التي نعرفها اليوم كانت الاضاءة احيانا غير دقيقة والالوان مختلفة والتفاصيل اقل وضوحا لكن ما كان يعتبر في الماضي نتيجة طبيعية لامكانيات التصوير اصبح اليوم جزءا من جمال الصورة وجاذبيتها.
اليوم اصبحت الهواتف قادرة على التقاط صور شديدة الوضوح واصبح تعديل الوجه والاضاءة والالوان امرا سهلا ومع ذلك نعود بارادتنا الى صورة اقل دقة واكثر عفوية ربما لاننا نبحث عن صورة تبدو انسانية وليست صورة مثالية.
وبالنسبة لمن عاشوا الثمانينات فالامر يتجاوز شكل الصورة فقد تكفي لقطة واحدة لاستعادة بيت قديم او شارع تغيرت ملامحه او مناسبة عائلية او اغنية ارتبطت بمرحلة معينة او وجوه ما زالت حاضرة في الذاكرة رغم غيابها عن الحياة.

هنا يصبح الفلتر مثل مفتاح يفتح بابا للذكريات

اما من لم يعش الثمانينات فقد يشعر ايضا بالالفة تجاه صورها فقد عرفها من خلال صور العائلة والافلام والموسيقى والاعلانات وحكايات الاباء والامهات ولذلك يمكن ان نشعر بالحنين الى زمن لم نعشه لان علاقتنا بالماضي لا تتكون فقط من تجاربنا الشخصية ولكن ايضا من ذاكرة من سبقونا

لكن لماذا الثمانينات تحديدا؟

السبعينات لها طابعها الخاص والواضح سواء في الالوان او الملابس او التفاصيل البصرية بينما تبدو التسعينات اقرب نسبيا الى شكل الحياة والصور التي نعرفها اليوم

اما الثمانينات فتقف في منطقة وسط فهي قديمة بما يكفي لتمنحنا احساس الحنين وقريبة بما يكفي حتى تبدو مألوفة.

كما ان السينما والموسيقى والموضة والاعلانات منحت تلك الفترة شخصية بصرية مميزة ما زالت حاضرة حتى اليوم

فترة الثمانينات ما لها وما عليها.
لهذه العودة الى صور الثمانينات جانب جميل فهي تعيد الاهتمام بالصورة كذكرى وتمنحنا فرصة للتأمل في تفاصيل مضت كما تذكرنا بان الصورة لا تحتاج الى ان تكون شديدة الوضوح او كاملة حتى تكون قريبة من القلب

لكن للحنين جانبا اخر فقد يجعلنا نتذكر الماضي من زاوية واحدة فقط فنحتفظ بالصور الجميلة وننسى ان كل زمن كانت له صعوباته ومشكلاته فالماضي لم يكن دائما اكثر بساطة او راحة كما يبدو لنا اليوم والصورة القديمة لا تستطيع ان تحكي كل ما كان يحدث خارج اطارها

كما ان الاعتماد المستمر على الفلاتر قد يجعلنا ننظر الى الحاضر بعين غير راضية وكأن الجمال لا يوجد الا في صورة قديمة او زمن مضى وربما تكون المشكلة هنا ليست في الفلتر نفسه ولكن في اعتقادنا ان الماضي كان دائما افضل

الاجمل ان نستخدم هذه الصور للاستمتاع بالذاكرة لا للهروب من الحاضر

والمفارقة ان التكنولوجيا الحديثة هي التي تعيد الينا شكل التكنولوجيا القديمة فنحن نستخدم هواتف متطورة لنصنع صورا تبدو وكأنها التقطت بكاميرات فيلمية منذ عقود

وربما لا نبحث من خلال ذلك عن الماضي نفسه وانما عن احساس ارتبطنا به.
في الماضي كانت الصورة لحظة نادرة صورة لمناسبة او رحلة او لقاء عائلي ثم تحفظ في ألبوم الصور
ولم تكن هناك مئات الصور التي تلتقط في اليوم الواحد ولا كانت كل صورة تمر على تعديلات كثيرة قبل ان يراها الاخرون
لذلك تبدو الصورة القديمة اليوم وكأنها تحمل قيمة مختلفة فهي ليست مجرد صورة وانما اثر للحظة مرت ولم تعد.
وربما هذا هو سر تعلقنا بصور الثمانينات فنحن لا نبحث عن صورة اقل جودة وانما عن صورة اكثر احساسا
صورة تقول ان هناك وقتا مضى واشخاصا كانوا هنا ولحظة تستحق ان نتذكرها

في النهاية قد لا يكون حبنا لصور الثمانينات رغبة حقيقية في العودة الى الماضي وربما نحن فقط نشتاق الى البساطة التي نربطها به والى صورة لم تكن مطالبة بان تكون كاملة حتى تكون جميلة

فنحن نستخدم اليوم احدث التقنيات لنصنع صورة تبدو قديمة وكأننا نحاول ان نمنح حاضرنا شيئا من روح الماضي
وربما لهذا السبب يتحول الفلتر من مجرد تأثير على الصورة الى رحلة قصيرة في الذاكرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى