أعظم المواساة عند البشر

بقلم / محمـــد الدكـــروري
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي نبينا الهادي الأمين، الذي وصانا بالإحسان ودلنا عليه، فإن الإحسان كلمة جامعة لأصول الدين وأصول المعاملات وأصول الأخلاق فقال تعالى ” إن رحمة الله قريب من المحسنين” فرحمة الله قريب من المحسنين الذين يعبدون الله تعالى كأنهم يرونه، فيراقبونه في كل صغيرة وكبيرة، ويعلمون أنه جل جلاله يعلم السر وأخفى فيأتمرون بأمره وينتهون عن نهيه، ورحمة الله قريبة من المحسنين الذين يحسنون في عبادتهم لله تعالى ويؤدونها دون خلل أو تقصير أو تفريط، ورحمة الله قريب من المحسنين الذين يحسنون إلى خلق الله بالمعاملة الحسنة، أما بعد فإن أحد أبواب العمل الصالح هو أن تدخل على أخيك السرور، ما الذي يسره؟
أن تزوره في بيته، أن تلبي دعوته، فيقول عليه الصلاة والسلام “والله لو دعيت إلى كراع بالغميم لأجبت” كأن تدعى إلى مكان بعيد يحتاج إلى ساعة على كوب من الشاي فقط، فالإنسان يعد الخطوات مع اللقمات، العوام يوازنون بين الخطوات واللقمات، لكن المؤمن يعد الأجر, فقد تذهب إلى مكان بعيد، والضيافة متواضعة جدا، والناس الذين دعوك ليس لهم شأن كبير في الدنيا، لذلك أنا أقول تلبية دعوة الأغنياء من الدنيا، تجد الغني إن سافر يهنأ، مرض يعاد، دعا يلبى، الفقير أحيانا يموت ولا أحد ينتبه له، فهذا الذي يعود مريضا فقيرا، يلبي دعوة إنسان فقير، يجبر خاطره، هذه من أعظم المواساة، ليست كل تلبية دعوة من الأعمال الصالحة، هناك تلبية دعوات من الدنيا، لكن أخاك الذي يدعوك.
ويقول عليه الصلاة والسلام “والله لو دعيت إلى كراع في الغميم لأجبت” فإن تلبية الدعوة من المواساة، وإن أبواب المواساة لا تعد ولا تحصى، فعن أبى الدرداء رضى الله عنه قال وفاء النبي بمستوى العقل لا يصدق، أنه بعثني الله عز وجل والناس كذبوه، وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله، وفي رواية فاحفظوا له ذلك “ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر” فإن المظاهر الإسلامية الآن صارخة، لكن ليس هناك حب، قد تجد أخ يموت من الجوع، وأخوه معه الملايين، وهو أخوه النسبي، ليس هناك مواساة، لا مواساة بين الجار وجاره, ولا بين الأخ وأخيه، ولا بين المسلم والمسلم، فقد تجد شخص غني، وغارق في شهواته وفي مصالحه وملذاته، لذلك تخلى الله عن هؤلاء المسلمين.
هؤلاء ليسوا مسلمين بالمعنى الدقيق للإسلام، هؤلاء لهم إطار إسلامي فقط، أما الإسلام فشيء آخر، وفي ملمح بالسيرة الطيبة العطره هذه السيدة خديجة رضى الله عنها وكان لم يأتى الوحي بعد، ولم تأتى الرسالة، ولم يأتى التشريع ولم يأتى التوجيه الإلهي إطلاقا، لما جاءه الوحي ورأته قلقا, فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم ” والله لا يخزيك الله أبدا من علمها ذلك؟ الفطرة إنك لتقري الضيف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر” فإنه مستحيل أن يتخلى الله عز وجل عن إنسان محسن، فإن الله معك، وإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك؟ هكذا تقول السيدة خديجة رضى الله عنها والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر، وتكسب المعدوم”.



