عواصف الكرملين: مواجهة الفناء الجيوسياسي بين موسكو والغرب

دكتور احمد ابراهيم حنفي
الانفجار السياسي الكبير بين موسكو والعواصم الغربية بلغ مرحلة اللاعودة في المشهد الدولي المعاصر حيث تصاعدت وتيرة التوتر العسكري والسياسي بشكل غير مسبوق بين روسيا الاتحادية وكل من الولايات المتحدة الأمريكية ولمحتوى الخطاب السياسي الصادر من بريطانيا إلى جانب حلف شمال الأطلسي الذي بات يمارس ضغوطا مكثفة على الحدود الشرقية للقارة الأوروبية
إن طبيعة الصراع الحالية تجاوزت نطاق الحروب التقليدية لتتحول إلى مواجهة شاملة متعددة الأبعاد تشمل الحرب الاقتصادية القاسية والمعارك الاستخباراتية الشرسة بالإضافة إلى التراشق النووي اللفظي الذي يعيد للذاكرة أحداث الحرب الباردة في أوج اشتعالها
تبدو موسكو في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة حريصة كل الحرص على فرض قواعد لعبة جديدة ترفض فيها الهيمنة الأحادية التي قادتها واشنطن لعقود طويلة بينما ترى العواصم الغربية وعلى رأسها لندن وواشنطن أن التحركات الروسية تشكل تهديدا صريحا للنظام العالمي القائم ولأمن القارة الأوروبية ككل
على أرض الواقع تشهد خطوط التماس في شرق أوروبا تحشيدات عسكرية نوعية وتوسيعا لنطاق المناورات الأطلسية بالقرب من الحدود الروسية مما دفع القيادة الروسية إلى رفع مستوى الجاهزية القتالية لقواتها الاستراتيجية وتحديث انتشار أسلحتها المتقدمة في المناطق الحساسة
الدور البريطاني بالتحديد يشهد تصعيدا ملحوظا من خلال الانخراط المباشر في توفير الدعم التسليحي والتكتيكي المتطور للطرف الخصم لروسيا وهو ما تراه الكرملين مشاركة فعلية في الحرب ومحاولة لتكريس هزيمة استراتيجية للدولة الروسية مما جعل لندن في مقدمة العواصم التي توعدت موسكو باتخاذ إجراءات ردع حازمة ضدها
أما الموقف الأمريكي فيركز على قيادة هذا التحالف الغربي بقبضة حديدية عبر فرض حزم متتالية من العقوبات الاقتصادية الخانقة بهدف شل حركة الاقتصاد الروسي وعزل الكرملين دوليا غير أن هذه السياسة قوبلت بمرونة روسية واضحة وإعادة توجيه كاملة لبوصلة التجارة نحو الشرق والشمال العالمي
إن غياب قنوات الحوار الدبلوماسي الحقيقي بين الجانبين يزيد من خطورة الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مباشرة وغير محسوبة إذ أصبحت الخطوط الحمراء القديمة تتقاطع وتتلاشى يوميا وسط غياب كامل لاتفاقيات ضبط التسلح التي كانت تشكل صمام أمان عبر العقود الماضية
المشهد في موسكو اليوم يعكس حالة من التعبئة العامة والتأهب الشامل لمعركة طويلة الأمد يستند فيها القرار الروسي إلى قناعة راسخة بضرورة إعادة رسم خريطة النفوذ العالمي وتفكيك أحادية القطبيبة مما يضع الشرق والغرب أمام اختبار تاريخي قد يغير شكل الجيوسياسة العالمية لسنوات طويلة قادمة



