مقال

المعجزات لا تعمل بالريموت كنترول


كتب : عماد نويجي
حتى المعجزات قرنها الله بالعمل
اضرب بعصاك البحر
اصنع الفلك
أدخل يدك في جيبك
هزي إليك بجذع النخلة

تأمل هذه الأوامر جيدا وستكتشف أن الرسالة أعمق من مجرد حكايات عن المعجزات فالسماء نفسها لم تجعل الإنسان ينتظر والنجاح لم يقدم يوما لمن جلس يراقب الطريق وهو يشكو من وعورته
حتى حين يأتي النصر من حيث لا يحتسب الإنسان يظل عليه أن يضرب وأن يصنع وأن يسعى وأن يهز جذع النخلة

فلا تنتظر ثمرا وأنت لا تزرع ولا تنتظر نهضة وأنت تدير الدولة بعقلية المسكنات ولا تنتظر خروجا من الأزمات وأنت تعالج كل أزمة باقتراض جديد ثم تمد يدك إلى المواطن لتطلب منه أن يدفع ثمن أخطاء لم يصنعها
المشكلة ليست في أن نختلف حول الأشخاص وإنما في أن تتحول إدارة الوطن إلى مجموعة من ردود الأفعال بلا رؤية واضحة ولا تخطيط طويل المدى

الوطن لا يبنى بالارتجال ولا يدار بمنطق اليوم بيومه
ولا يمكن أن تظل مصر أسيرة لفكرة أن كل مشكلة يمكن حلها بقرض جديد أو رسوم جديدة أو تحميل المواطن أعباء جديدة
فالاقتراض قد يكون أداة اقتصادية حين يكون جزءا من خطة إنتاج واستثمار واضحة لكنه يتحول إلى كارثة حين يصبح بديلا عن العمل والإنتاج
وهنا يصبح السؤال الحقيقي
أين الخطة
وأين الأولويات
وأين القيادات التي تستطيع أن تقول للناس الحقيقة ثم تعمل على تغييرها

مصر لا تحتاج إلى مسؤول يجيد الحديث عن الأزمة بقدر ما تحتاج إلى مسؤول يعرف كيف يصنع الحل
ولا تحتاج إلى قيادات تختار لأنها تجيد المرور من أبواب المكاتب وإنما تحتاج إلى قيادات تختار على أساس الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على الإنجاز
فأخطر ما يمكن أن يصيب دولة ليس نقص المال وحده وإنما سوء اختيار من يدير المال وسوء اختيار من يضع القرار وسوء اختيار من يحمل أمانة المسؤولية
حين تصبح الواسطة أقوى من الكفاءة
والثقة الشخصية أقوى من الخبرة
والولاء للأشخاص أقوى من الولاء للوطن
فلا تنتظر معجزة اقتصادية
ولا تنتظر نهضة إدارية
ولا تنتظر إصلاحا حقيقيا
لأنك ببساطة تكون قد اخترت الطريق الخطأ ثم جلست تنتظر الوصول
نحن في حاجة إلى تغيير فلسفة الإدارة قبل تغيير الوجوه

نحتاج إلى دولة تكافئ من يعمل وتحاسب من يفشل وتحمي من يبدع ولا تجعل الوظيفة العامة مكافأة لمن يملك العلاقات
نحتاج إلى قيادات تعرف أن المنصب تكليف لا تشريف وأن الكرسي ليس ملكا لصاحبه وأن المسؤول الذي لا يستطيع الإنجاز عليه أن يترك مكانه لمن يستطيع
مصر ليست فقيرة في العقول
وليست فقيرة في الأيدي التي تستطيع العمل
وليست فقيرة في الموارد ولا في التاريخ ولا في الموقع ولا في القدرة على النهوض
لكنها تحتاج إلى إدارة تحترم كل ذلك
تحتاج إلى تخطيط يعرف أين نحن وإلى أين نريد أن نذهب وكيف سنصل
تحتاج إلى حساب دقيق للتكلفة والعائد
تحتاج إلى إنتاج حقيقي لا إلى تدوير للأزمات
تحتاج إلى صناعة وزراعة وتعليم وبحث علمي وسياحة واستثمار حقيقي
وتحتاج قبل كل شيء إلى ثقافة عمل تقول للمواطن إن الدولة لن تخدعك بالأماني وإنها لن تطلب منك الصبر إلى ما لا نهاية دون أن ترى نتيجة لهذا الصبر

الصبر فضيلة
لكن تحويل الصبر إلى سياسة دائمة ليس إدارة
والاستدانة ليست إنجازا
وتحميل الناس المزيد من الأعباء ليس إصلاحا
والكلام عن المستقبل لا يصنع المستقبل
الذي يصنع المستقبل هو العمل
عمل صادق مخلص
عمل له هدف
وله خطة
وله رقابة
وله حساب
وله نهاية يمكن للناس أن يروا ثمرتها
ولعل أجمل ما في قصص المعجزات أنها لا تعلمنا انتظار المعجزة بقدر ما تعلمنا الحركة نحوها
موسى عليه السلام لم يقف أمام البحر قائلا لا أستطيع
بل جاءه الأمر اضرب بعصاك البحر
ونوح عليه السلام لم يجلس أمام الطوفان منتظرا النجاة بل جاءه الأمر اصنع الفلك
ومريم عليها السلام لم تكن في موضع قوة حين جاءها المخاض بل جاءها الأمر هزي إليك بجذع النخلة
وكأن الرسالة تقول للإنسان
افعل ما تستطيع ثم انتظر ما لا تستطيع
أما أن تترك ما تستطيع ثم تطلب ما لا تستطيع فذلك ليس توكلا وإنما عجز يرتدي ثوب الأمل
ومصر اليوم لا تحتاج إلى معجزة
مصر تحتاج إلى عقل
وإرادة
وإدارة
وقيادات حقيقية
ومحاسبة حقيقية
واختيار حقيقي
وتوقف حقيقي عن كل تجاوز يقتل مبدأ تكافؤ الفرص ويضع غير الأكفأ في المكان الذي يحتاج إلى الأكفأ
فإذا أردنا أن نخرج من هذا النفق فلا بد أن نتوقف عن البحث عن مخرج في آخر النفق ونبدأ بصناعة الطريق من حيث نقف
لن ينقذ مصر مسؤول واحد
ولن ينقذها قرض واحد
ولن ينقذها قرار واحد
الذي ينقذها منظومة كاملة تؤمن بأن الوطن لا يبنى بالمسكنات وإنما بالعمل
ولا بالوعود وإنما بالنتائج
ولا بالمحسوبية وإنما بالكفاءة
ولا بالخوف من الاعتراف بالخطأ وإنما بالشجاعة على تصحيحه

فيا من تجلسون خلف المكاتب
تذكروا أن البحر لا ينشق لمن يحدق فيه
وأن الفلك لا يصنعه من يشرح للناس خطورة الطوفان
وأن النخلة لا تسقط ثمرها لمن ينتظر تحتها
اضربوا
اصنعوا
اهتزوا
اعملوا
ثم اتركوا النتائج لله
أما أن نترك العمل ونطلب المعجزة
فهذه ليست سياسة دولة
هذه طريقة محترمة جدا لإدارة الفشل
ولكنها بالتأكيد ليست طريقا لبناء مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى