سبيل العاشقين

سبيل العاشقين
كتبت /منى منصور السيد
يا إلهَ القلبِ، يا سرَّ الضياءِ
أنتَ فجرُ الروحِ بعدَ العَناءِ
كلما ناديتُ اسمَكَ خاشعًا
ذابَ في عينيَّ جمرُ البكاءِ
أنا ما أحببتُ غيرَكَ سيِّدي
فاستوى في حبِّكَ كلُّ رجائي
أنتَ بحرٌ، والوجودُ سفينةٌ
كلُّ مَن لم يأتِكَ في شقاءِ
أسكرَتني من جلالِكَ نفحةٌ
فغدوتُ الطيرَ فوقَ الفضاءِ
ليسَ خمري من دِنانِ الأرضِ، لا
بل من الأسرارِ والإسراءِ
كلُّ نبضٍ في فؤادي ساجدٌ
يبتغي وجهَكَ دونَ رياءِ
إن سألتَ القلبَ: مَن معبودُهُ؟
قال: ربُّ العرشِ، نورُ سمائي
أنا عبدٌ، والعبوديَّةُ تاجي
وبها أرقى إلى العلياءِ
كلُّ شيءٍ هالكٌ إلا الذي
جلَّ بالإحسانِ والكبرياءِ
فاجعلِ اللهمَّ قلبي عاشقًا
في رضاكَ، ثابتًا في الولاءِ
واجعلِ الأنفاسَ ذكرًا دائمًا
واختمِ العمرَ بحسنِ اللقاءِ
ثم زدني من الهوى يا إلهي
إنَّ في القربِ غايةَ الإثراءِ
كلما قلتُ قد وصلتُ مقامًا
بانَ لي أنني ببدءِ ابتداءِ
أنتَ أدرى بما يفيضُ بقلبي
من حنينٍ ومن خفيِّ الدعاءِ
أنا لا أبتغي سواكَ مرادًا
فاجعلِ الروحَ قبلةَ الأهواءِ
إن يكن لي من الزمانِ نصيبٌ
فهو ذكرٌ يطيبُ في المساءِ
كلُّ دربٍ إليكَ نورٌ مبينٌ
ليس فيهِ متاهةُ الغرباءِ
وإذا ما توارتِ النفسُ عنِّي
أشرقتْ شمسُ معرفةِ البقاءِ
أنتَ بابُ الأمانِ، بل أنتَ حصني
حين تعلو زلازلُ الأرزاءِ
ما رأيتُ الجمالَ إلا شعاعًا
من جلالٍ مبرَّأٍ من فناءِ
فاملأِ القلبَ باليقينِ سكونًا
وامحُ عنهُ وساوسَ الأشقاءِ
واجعلِ الحبَّ في الضلوعِ صلاةً
لا تملُّ القيامَ في السَّحراءِ
أنا فقري إليكَ أغلى كنوزي
وبه أرتقي إلى الأغنياءِ
كلما زادني التجلِّي افتقارًا
زادني الفضلُ رفعةً وارتقاءِ
يا مجيبَ المضطرِّ، يا خيرَ ربٍّ
أنتَ مأوى الأراملِ والضعفاءِ
فاختمِ العمرَ بالسعادةِ لطفًا
واجعلِ الفردوسَ خيرَ الجزاءِ
ثم هبْ لي من اليقينِ شرابًا
يُذهبُ الوهمَ عن فؤادِ الشَّقَاءِ
وأقِمْ في الضلوعِ عرشَ سكينةٍ
تستريحُ الأرواحُ في أفيائِهِ
كلُّ حرفٍ من الذِّكرِ إنْ لامسَ القلبَ
أورقَ العمرُ بعد طولِ الجفاءِ
أنا عبدٌ، وما العبوديَّةُ إلا
سُلَّمُ القربِ، زينةُ الأصفياءِ
كلُّ بابٍ سواكَ يُغلقُ يومًا
وبابُكَ المفتوحُ دارُ الرجاءِ
يا خفيَّ اللُّطفِ الذي لا يُرى
أنتَ تُجري المقاديرَ في خفاءِ
كم كسرتَ الظلامَ نورًا ولطفًا
حين ضاقتْ مسالكُ الغرباءِ
فإذا الليلُ أطبقَتْهُ الخطايا
أشرقَ العفوُ مثلَ ضوءِ الضِّياءِ
يا كريمًا إذا دعاهُ فقيرٌ
أغدقَ الخيرَ واسعَ العطَاءِ
هبْ لقلبي من المحبَّةِ سرًّا
لا يُدانى ببهجةِ الأشياءِ
واجعلِ الصمتَ في حضوري كلامًا
ناطقًا بالحقيقةِ العصماءِ
فإذا متُّ فاجعلِ القبرَ روضًا
عابقًا بالنُّورِ والآلاءِ
واحشرِ الروحَ في لواءِ نبيٍّ
سيِّدِ الخلقِ، خاتمِ الأنبياءِ
واجعلِ التسليمَ آخرَ لفظي
يومَ أمضي إلى رحابِ البقاءِ
فأنا ما قصدتُ غيرَ رضاكَ
أنتَ مقصودي، غايةُ الأحياءِ
كلُّ عشقٍ سواكَ ظلٌّ يزولُ
وعلى حبِّكَ البقاءُ بقاءِ
يا إلهي، وإنْ تفرَّقَ قومي
فاجمعِ القلبَ في رحابِ الصفاءِ
علِّمِ الروحَ أن تذوبَ تواضعًا
بينَ يديكَ في أسمى ارتقاءِ
واخلعِ النفسَ من ثيابِ ادِّعاءٍ
واكسُها ثوبَ صادقِ الفقراءِ
إنَّ في الفقرِ للعزيزِ غنًى
حين يُلقى على بساطِ الوفاءِ
كلُّ ما في الوجودِ آيةُ حُسنٍ
تشهدُ الوحدَ في عظيمِ البناءِ
هذه الشمسُ، والنجومُ، وبحرٌ
كلُّها تسبحُ بغيرِ عناءِ
والطيورُ التي تُغنِّي صباحًا
إنما تُنشدُ لحنَ الثناءِ
والرياحُ التي تمرُّ رفيقًا
حاملاتٌ بشارةَ الأنباءِ
والجبالُ الشمُّ في صمتِها
ساجداتٌ لهيبةِ الكبرياءِ
يا مُفيضَ الجمالِ في كلِّ شيءٍ
زد فؤادي بصيرةَ الرُّؤَاءِ
واجعلِ العينَ لا ترى غيرَ فضلٍ
في الرخاءِ الجميلِ والبلاءِ
ها أنا واقفٌ ببابِكَ عبدًا
ليسَ لي غيرُ رحمةٍ ورجاءِ
إن يكنْ في صحيفتي بعضُ ذنبٍ
فالعفوُ بحرٌ يفيضُ بالعطَاءِ
أنتَ مولايَ، لا ملاذَ سواكَ،
فخذِ الروحَ في جميلِ اللِّقاءِ
واجعلِ القلبَ في رضاكَ مقيمًا،
مطمئنًّا إلى عظيمِ القضاءِ
وإذا ما انقضى الزمانُ وجاءتْ
ساعةُ الرَّحلِ عن ديارِ الفناءِ
فاجعلِ النورَ في الجبينِ دليلًا،
وأمِنِّي من وحشةِ الظلماءِ
ثم أوردْني الحبيبَ محمدًا
سيِّدَ الرسلِ، شافعَ الضعفاءِ
وأقِمْني تحتَ اللواءِ سعيدًا
مع نبيٍّ وآلهِ الأتقياءِ
هذهِ مهجتي إليكَ نشيدٌ،
ليسَ يُرجى سواكَ في الرخاءِ
فاقبلِ الشعرَ إن صفا من فؤادٍ
ذابَ حبًّا في حضرةِ السَّماءِ
وصلِّ اللهمَّ ما لاحَ بدرٌ
على الهادي النبيِّ ذي السَّناءِ
آلِهِ والصحابةِ الغرِّ طُرًّا
والأولياءِ صفوةِ النجباءِ
تمَّت، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.