مقال

صناعة الصورة… أم صناعة الإنسان؟


بقلم: ناصر سيد
ليس كل ما يلمع إنجازًا، وليس كل ما تلتقطه الكاميرات نجاحًا.
على مدار سنوات، اعتدت أن أتابع ما تنشره المدارس والمؤسسات التعليمية من اخبار وصورعبر مواقع التواصل الاجتماعي. ومع مرور الوقت، لم تعد تلك الصور تجذب انتباهي بقدر ما أثارت داخلي سؤالًا مؤلمًا. فالمشهد يكاد يكون واحدًا في كل مرة؛ تتغير الوجوه، وتتبدل الأماكن، لكن السيناريو يظل ثابتًا، حتى خُيّل إليَّ أننا لا نعيد صناعة الإنجاز، بل نعيد إنتاج الصورة.


منصات مزينة، ولافتات براقة، وعدسات لا تتوقف عن التصوير، وطلاب يصطفون بابتسامات مرسومة، بينما تتصدر المشهد عبارات من قبيل: «نجاح باهر»، «إنجاز غير مسبوق»، «حدث استثنائي»… كلمات رنانة تصنع ضجيجًا إعلاميًا، لكنها لا تصنع بالضرورة أثرًا تربويًا.


ثم تُطفأ الأضواء، وتنتهي مراسم التصوير، وينصرف الجميع… ويبقى سؤال واحد لا يجد من يجيب عنه بصدق:
ماذا بقي في عقل الطالب؟
إذا كانت الإجابة: «لا شيء»، فإن كل ما حدث لم يكن سوى مشهد متقن الإخراج، أصبح فيه الطالب وسيلة لا غاية، وعنصرًا يكتمل به المشهد، بينما انصرف الاهتمام إلى صناعة صورة براقة للإنجاز أكثر من صناعة الإنجاز نفسه.
ولكي أكون واضحًا، فأنا لست ضد المبادرات، ولا ضد الأنشطة، ولا ضد التغطية الإعلامية. بل إن الإعلام شريك أصيل في إبراز النماذج الملهمة، ونقل الخبرات الناجحة، وتحفيز الآخرين على الاقتداء بها. لكن الخلل يبدأ عندما تتحول الكاميرا من وسيلة لتوثيق الإنجاز إلى غاية في حد ذاتها، فيصبح الإنجاز مجرد مبرر لالتقاط الصورة.


فالطالب ليس قطعة ديكور تستكمل جمال المشهد، وليس وسيلة لتلميع مسؤول، أو تجميل مؤسسة، أو صناعة بطولة وهمية. الطالب هو الغاية، وهو محور العملية التعليمية، ومن حقه أن يحصل على تعليم حقيقي، وتدريب جاد، وفرصة عادلة لاكتشاف موهبته وتنمية قدراته.
وللأسف، أصبحنا نخلط أحيانًا بين صناعة الحدث وصناعة الأثر.
فصناعة الحدث قد تحتاج إلى منصة أنيقة، وعدسات حاضرة، وتغطية إعلامية واسعة، ومنشورات تتدفق على مواقع التواصل.


أما صناعة الأثر، فتحتاج إلى رؤية واضحة، وإخلاص في العمل، وتخطيط واعٍ، ومتابعة مستمرة، وتقييم صادق، وإيمان راسخ بأن بناء الإنسان أهم من صناعة الصورة.


ومن المؤسف أن البعض بات يقيس نجاحه بعدد الصور التي نُشرت، أو بحجم التفاعل الذي حققه على مواقع التواصل، لا بعدد الطلاب الذين تغيرت حياتهم، ولا بقدر المعرفة التي اكتسبوها، ولا بالأثر الذي بقي في عقولهم بعد انتهاء الفعالية.
والحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها طويلًا أن الصورة قد تخدع العين، لكنها لا تستطيع أن تخدع الواقع. فالطالب الذي لم يكتسب علمًا أو مهارة لن يصبح مبدعًا لأن صورته انتشرت، والموهبة التي لم تجد من يرعاها لن تنمو مهما أحاطتها عبارات الثناء والإشادة.


إن أخطر ما يواجه التعليم اليوم ليس نقص الإمكانات وحده، وإنما اختلال الأولويات. فعندما تصبح المظاهر أهم من الجوهر، والدعاية أهم من الرسالة، والظهور أهم من الإنجاز، فإننا نخسر بصمت، حتى وإن بدا المشهد من الخارج مبهرًا.
إن الوطن لا يحتاج إلى مزيد من الصور الجميلة، بل إلى نتائج جميلة. لا يحتاج إلى احتفالات تنتهي بانتهاء التصوير، بل إلى عمل يبقى أثره سنوات طويلة. فالتاريخ لا يتذكر من وقف أكثر أمام الكاميرات، وإنما يتذكر من صنع إنسانًا، وأيقظ موهبة، وفتح باب أمل، وغيّر حياة طالب إلى الأفضل.


ولهذا، فإن أعظم إنجاز يمكن أن يحققه أي مسؤول، أو معلم، أو مؤسسة، ليس أن يتصدر المشهد، بل أن يصنع طالبًا قادرًا على أن يتصدر المشهد بعلمه، وأخلاقه، وإبداعه.
فحين يصبح الإنسان هو الهدف، تتحول الأنشطة إلى رسالة، ويتحول الإعلام إلى شاهد على النجاح، لا صانعًا لوهم النجاح.
أما إذا ظل اهتمامنا منصبًا على كيف نبدو أمام العدسات أكثر من اهتمامنا بما نقدمه للطلاب، فسنبقى ندور في دائرة من المشاهد البراقة التي تخطف الأبصار، لكنها تعجز عن صناعة المستقبل.


فالأوطان لا تُبنى بالصور، وإنما تُبنى بالعقول والضمائر. ولا تنهض بالشعارات، وإنما برجال ونساء يؤمنون بأن رسالتهم أكبر من أسمائهم، وأن قيمة الإنسان فيما يتركه من أثر، لا فيما يحصده من تصفيق.


هناك من يعمل في صمت، لا يبحث عن كاميرا، ولا ينتظر تكريمًا، ولا يلهث وراء الأضواء. جنود مجهولون يحملون همَّ الوطن على أكتافهم، ويؤمنون بأن النجاح الحقيقي ليس أن تتصدر صورهم الصفحات، بل أن يروا طالبًا اكتسب علمًا، أو موهبةً وجدت طريقها، أو حلمًا صغيرًا بدأ يتحول إلى واقع. هؤلاء هم صناع المستقبل الحقيقيون، لأنهم اختاروا أن يبنوا الإنسان قبل أن يبنوا الصورة، وأن يخلصوا للوطن قبل أن يخلصوا لأنفسهم.


وقد تصنع الكاميرا صورةً جميلة، لكنها لا تصنع عقلًا، ولا تبني قيمة، ولا تكتشف موهبة. وحده العمل الصادق يفعل ذلك.
فالصورة قد تعيش ساعات على شاشة هاتف، وربما تحصد آلاف الإعجابات، لكنها سرعان ما تُنسى مع خبر جديد. أما الإنسان الذي نُحسن بناءه، فيبقى أثره عقودًا، ويصنع مستقبل وطن بأكمله.


لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يسبق كل فعالية، وكل مبادرة، وكل احتفال، ليس: «كم كاميرا ستغطي الحدث؟»، بل: «ماذا سيخرج به الطالب بعد أن تنطفئ الأضواء؟».
هناك فقط، يصبح الإنجاز حقيقيًا، وتتحول الصورة من غايةٍ إلى شاهدٍ أمين على عملٍ يستحق أن يخلده التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى