حصاد الشرق الأوسط اليوم

كتبت /منى منصور السيد
تتسارع نبضات الأحداث في قلب الشرق الأوسط لتضع المنطقة بأسرها فوق صفيح ساخن، حيث تتشابك خيوط السياسة بأدخنة المعارك في مشهد بالغ التعقيد والخطورة. وتتجه أنظار العالم اليوم، الأحد التاسع عشر من يوليو لعام ألفين وستة وعشرين، نحو هذا الإقليم الذي يعيش مخاضًا عسكريًا ودبلوماسيًا عسيرًا، تنفث فيه النزاعات نيرانها بينما تحاول الأطراف الدولية والإقليمية جاهدةً احتواء الموقف قبل أن تخرج الأمور عن حد السيطرة وتتسع رقعة الرماد.
وفي صدارة هذا المشهد القاتم، تتجلى ملامح تصعيد حاد ومباشر بين الولايات المتحدة وإيران، إذ لم تعد لغة الدبلوماسية وحدها الحاضرة في الغرف المغلقة، بل ترجمتها القوات الأمريكية إلى ضربات ميدانية جديدة استهدفت مواقع عسكرية إيرانية. وفي المقابل، تقابل طهران هذا الضغط بإصرار معلن على مواصلة الرد وتثبيت معادلاتها، وهو ما يذكي مخاوف المجتمع الدولي من انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة وعابرة للحدود التقليدية، قد تجر إليها أطرافًا وقوى أخرى لا مصلحة لها في اشتعال الفتيل.
وعلى مقربة من هذا المحور الصاخب، يئن قطاع غزة المنهك تحت وطأة عمليات عسكرية متواصلة وغارات لا تهدأ، مخلفة وراءها مزيدًا من الضحايا والآلام الإنسانية. ورغم قسوة المشهد الميداني، تسابق مصر ومعها وسطاء إقليميون ودوليون الزمن خلف الكواليس لإحياء فرص التهدئة، وبث الروح مجددًا في اتفاق وقف إطلاق النار عبر مفاوضات مضنية تسعى لغرس نافذة أمل إنسانية وسياسية وسط ركام الدمار. ولم يكن الجنوب اللبناني بمنأى عن هذه الدوامة، إذ يرزح تحت وطأة توتر أمني شديد، توازيه تحركات سياسية واتصالات دولية مكثفة تبحث عن طوق نجاة يثبت الهدوء ويمنع انفجار جبهة جديدة كفيلة بعثرة كل الأوراق.
هذا المناخ المشحون ألقى بظلاله الثقيلة على منطقة الخليج العربي، التي رفعت دولها مستويات الجاهزية الأمنية إلى الدرجات القصوى، بالتزامن مع تعزيز القوات الأمريكية لانتشارها في القواعد العسكرية تحسبًا لأي سيناريوهات طارئة قد تهدد استقرار المنطقة أو تعطل شريان الملاحة الدولية. ولم يقتصر القلق على الأرض وحسب، بل امتد ليعانق السماء عبر تحذيرات صارمة أطلقتها جهات دولية لشركات الطيران المدني بضرورة توخي الحذر والابتعاد عن بعض الأجواء الساخنة، في وقت تتضاعف فيه الهواجس من اختناق الممرات البحرية الإستراتيجية التي تغذي عصب العالم.
ولأن الاقتصاد والسياسة وجهان لعملة واحدة، فقد ترجمت الأسواق العالمية هذا القلق فورًا؛ حيث قفزت أسعار النفط إلى مستويات ملحوظة مدفوعة بمخاوف حقيقية من اضطراب سلاسل إمداد الطاقة، بينما ساد التذبذب والارتباك ردهات أسواق المال الإقليمية، التي بات مستثمروها يحبسون أنفاسهم ترقبًا لما ستسفر عنه الساعات المقبلة من مفاجآت. وفي مقابل هذه الطبول المدوية، تظل قنوات الأمم المتحدة والدول الكبرى مفتوحة على مدار الساعة في محاولة لخفض منسوب التوتر، عبر نداءات متكررة تغلب لغة العقل والحلول السياسية على لغة السلاح.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام منعطف تاريخي دقيق، تتداخل فيه الحسابات العسكرية المعقدة بالطموحات السياسية والتبعات الاقتصادية المريرة. وفيما يترقب العالم بحذر مسار الجهود الدبلوماسية لعلها تنجح في لجم هذا التصعيد الإقليمي الواسع، يظل الأمل معقودًا على تغليب الإنسانية وحماية المدنيين العزل كأولوية قصوى، واستعادة الاستقرار لإقليم لم يعرف طعم السكينة منذ عقود طويلة.



