مقال

حين انتصر الحب على رهبة الثانوية العامة


بقلم: ناصر سيد
ثمة مشاهد لا تصنعها الكاميرات، بل تصنعها القلوب. مشاهد لا تُكتب بالحبر، وإنما تُروى بالدموع والابتسامات، وتبقى عالقة في الذاكرة لأنها تمس شيئًا عميقًا في الإنسان.
هكذا كان المشهد الذى شاهدتة أمس، أمام إحدى لجان الثانوية العامة المخصصة للطالبات بإدارة الفشن التعليمية بمحافظة بني سويف ، فبعد إسدال الستار على آخر أيام الامتحانات.
لم يكن خروج الطالبات من بوابة اللجنة مجرد نهاية لاختبار دراسي، بل بدا وكأنه نهاية رحلة طويلة عبرت خلالها كل واحدة منهن واديًا من القلق والخوف والانتظار. وما إن فُتحت الأبواب حتى انطلقت مشاعر كانت حبيسة شهور كاملة، فإذا بالمكان يتحول في لحظات إلى ساحة فرح نابضة بالحياة.


كان الآباء يقفون في صفوف متراصة، تسبق أعينهم خطوات بناتهم، بينما احتشدت الأمهات بقلوب أنهكها الدعاء، يحملن الورود كما لو أنهن يقدمن وسامًا للصبر قبل أن يكن مكافأة على النجاح. وعلى مقربة منهن، كانت الأخوات والصديقات يلوحن بالبالونات الملونة، وتتعالى الزغاريد من كل اتجاه، بينما شقت الألعاب النارية طريقها إلى السماء، وارتفعت سحب الدخان الملون لتضفي على المشهد ألوانًا من البهجة، حتى خُيل إلى كل من مر بالمكان أن احتفالًا وطنيًا يُقام، لا مجرد نهاية لامتحان.
وفي وسط هذا الزخم الإنساني، كانت هناك لغة لا تحتاج إلى كلمات.


عناق طويل بين أم وابنتها، دمعة حاول أب أن يخفيها خلف ابتسامة واسعة، طالبة تلقي بحقيبتها على كتفها ثم ترفع رأسها إلى السماء في صمت، وكأنها تقول لنفسها: “انتهت الرحلة أخيرًا.”


في تلك اللحظة، لم يكن أحد يسأل عن إجابة سؤال أو صعوبة امتحان، ولم يكن الحديث عن المجموع أو التنسيق حاضرًا في الأذهان. فقد تراجعت الأرقام كلها أمام قيمة إنسانية أكبر… قيمة الاحتواء والدعم، والاحتفال بالاجتهاد قبل الاحتفال بالنتائج.


لقد اعتدنا أن نصف الثانوية العامة بأنها “معركة”، وربما لأن المجتمع بأكمله يعيش تفاصيلها مع أبنائه، بدا المشهد أمس أقرب إلى استقبال العائدين من رحلة شاقة استنزفت الأعصاب وأرهقت القلوب. عام كامل من السهر، والدروس، والضغوط، والقلق الذي لم يترك بيتًا فيه طالب بالثانوية العامة إلا وطرق بابه.


لهذا لم تكن الفرحة فرحة الطالبات وحدهن، بل كانت فرحة أسر كاملة خاضت الامتحان بكل تفاصيله. فالأم التي سهرت لتطمئن على مذاكرة ابنتها، والأب الذي أخفى قلقه حتى لا يزيد من توترها، والإخوة الذين أجّلوا كثيرًا من تفاصيل حياتهم احترامًا لأجواء الامتحانات… جميعهم كانوا شركاء في تلك اللحظة التي أعلنت نهاية فصل طويل من الترقب.
وربما لهذا السبب بدت الوردة، في تلك الساحة، أكثر من مجرد زهرة.
كانت رسالة حب تقول: “مهما كانت النتيجة، يكفينا أنكِ بذلتِ ما استطعتِ.”
وكانت الزغرودة إعلانًا بانتصار الإرادة على الخوف، لا بانتصار الدرجات على غيرها.
أما البالونات التي ارتفعت في الهواء، فبدت وكأنها تحمل معها كل لحظات القلق التي أثقلت صدور الطلاب وأسرهم طوال العام، لتترك مكانها لراحة طال انتظارها.
وفي زمن أصبحت فيه أخبار الثانوية العامة ترتبط غالبًا بالغش، والتسريبات، والهواتف المضبوطة، والجدل الدائر على منصات التواصل الاجتماعي، جاء هذا المشهد ليعيد البوصلة إلى معناها الحقيقي. فالثانوية العامة ليست فقط أوراق إجابة تُصحح، ولا أرقامًا تُضاف إلى كشوف النتائج، وإنما هي تجربة إنسانية كاملة، يتقاسمها الطالب مع أسرته، ويخرج منها الجميع أكثر نضجًا، وأكثر تقديرًا لقيمة الدعم الأسري.


قد تختلف النتائج بعد أسابيع، وقد يحقق بعض الطلاب ما تمنوه، بينما يضطر آخرون إلى تغيير أحلامهم أو طرق الوصول إليها. لكن ما لن يختلف عليه أحد هو أن هؤلاء الطالبات خرجن أمس وقد ربحن شيئًا لا تمنحه أي شهادة… ربحن شعورًا صادقًا بأن هناك من كان ينتظرهن خارج بوابة اللجنة، لا ليسألهن عن عدد الدرجات، بل ليقول لهن ببساطة:
“لقد فعلتن ما عليكن… ونحن فخورون بكن.”
وربما كانت هذه هي الرسالة الأجمل التي اختتم بها موسم الثانوية العامة؛ أن النجاح الحقيقي لا يبدأ من مجموع مرتفع، بل من بيت يعرف كيف يحتضن أبناءه، ويمنحهم الثقة في لحظات القلق، والفرح في لحظات الانتهاء، والمحبة التي تظل دائمًا أكبر من أي نتيجة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى