مقال

سلسلة معاناة أصحاب المعاشات – الحلقة الثالثةعلى أبواب الصيدليات… تُهان سنوات العمر


بقلم الاعلامية/ نسرين سمير حسن
هناك مشاهد لا تتصدر نشرات الأخبار، لكنها تكشف حقيقة موجعة يعيشها ملايين المصريين كل يوم. أحد هذه المشاهد يتكرر أمام الصيدليات، حيث يقف صاحب المعاش ممسكًا بروشتة العلاج، بينما تتنقل عيناه بين أسماء الأدوية وثمنها، ثم يخرج السؤال الذي يختصر حجم المأساة: “أشتري الدواء… أم أشتري الطعام؟”


إنها ليست قصة فردية، بل واقع أصبح جزءًا من حياة ملايين من أصحاب المعاشات، الذين أفنوا أعمارهم في العمل والإنتاج، وساهموا في بناء مؤسسات هذا الوطن، ثم وجدوا أنفسهم في خريف العمر يخوضون معركة يومية من أجل الحصول على حقهم في العلاج.


لم يعد الغلاء يقتصر على السلع الأساسية، بل امتد إلى الدواء، وهو الاحتياج الذي لا يمكن تأجيله أو الاستغناء عنه. فمريض القلب لا يستطيع أن يؤجل علاجه إلى الشهر المقبل، ومريض السكر لا يملك رفاهية الانتظار، ومريض الضغط لا يساوم المرض على موعده. ومع ذلك، يجد كثير من أصحاب المعاشات أنفسهم مضطرين إلى شراء نصف العلاج، أو تقليل الجرعات، أو مغادرة الصيدلية بأيدٍ فارغة، لأن قيمة المعاش لم تعد تكفي لمواجهة واقع يزداد قسوة يومًا بعد يوم.


والأكثر إيلامًا أن من يعيش هذه المعاناة ليس شابًا في بداية حياته، بل رجل أو امرأة تجاوزا سنوات الكفاح والعمل، وكانا يومًا ما يساهمان في دوران عجلة الإنتاج، ويدفعان الضرائب والتأمينات، ويؤديان واجبهما تجاه الوطن دون تردد. واليوم، بعد كل هذا العطاء، أصبحا يطاردان خصومات الصيدليات ويبحثان عن دواء أقل سعرًا، أو ينتظران مساعدة من قريب أو جار.
أي رسالة نوجهها لكبار السن عندما يصبح العلاج حلمًا؟ وأي شعور يرافق صاحب المعاش وهو يضطر إلى الاختيار بين شراء دوائه أو توفير احتياجات أسرته؟ إنها لحظات قاسية لا تليق بمن أعطوا لهذا الوطن أجمل سنوات أعمارهم.
إن أصحاب المعاشات لا يطلبون امتيازات استثنائية، ولا يسعون إلى رفاهية، بل يطالبون بحق بسيط وعادل: معاش يواكب تكاليف الحياة، ورعاية صحية تحميهم من قسوة المرض، وسياسات تضمن ألا تتحول الشيخوخة إلى رحلة من الألم والعجز.


إن كرامة الأمم تُقاس بمدى احترامها لمن بنوا حاضرها. وإذا كان المجتمع يفتخر بمن خدموه سنوات طويلة، فإن أقل ما يقدمه لهم هو أن يضمن لهم علاجًا كريمًا وحياةً لا يهددها الغلاء.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة حقيقية، لا كلمات عابرة: هل يُعقل أن يقضي الإنسان عمره في خدمة وطنه، ثم يقف في نهاية الطريق عاجزًا عن شراء دواء يحفظ حياته؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى