اخبارمنوعه

جمهورية الوهم وسماسرة الوعي في مملكة الدعم المزيف

بقلم / محمد جابر
الممر مئة وثلاثة وثلاثون

لم يكن الممر هذه المرة كسابق عهده فماأكثر فترات صمته وكانت جدرانه مغطاة بصور لوجوه تبتسم بلا ملامح ولا تاريخ ولا أثر سوى أسماء مسبوقة بألقاب لا يعرف أحد من منحها ولا كيف ولدت ولا لماذا صدقها الناس فتترنح انصاف الهوانم وليتقفها مدعي البشاوية ويدافع عنهم أصحاب عضوية الدياثه ويراهم ري العين الجميع

فعلى جانبي الممر كانت الأضواء تتوهج كلما مر أصحاب التصفيق وتنطفئ كلما اقترب أصحاب الحقيقة وكأن المكان أعاد برمجة نفسه حتى لا يرى إلا من يجيد صناعة المشهد أما الذين يحملون مشاعل الوعي فقد كانوا يسيرون في الظل لأن الضوء أصبح امتياز يمنحه الوهم للأفاقين ويحجبه عن كل حقيقة تكشف الزيف

لم تكن أخطر ما أنجبته تلك الحقبة الزمنية الكيانات الهلامية ولا الشهادات المزيفة ولا الألقاب الموزعة بقدر ما كان أخطر ما فيها أولئك الذين صدقوا الوهم وصفقوا للباطل ثم ارتدوا ثياب الطهارة ونصبوا أنفسهم أبواق لإعلان الناس ومنحهم صكوك القبول والوجاهة دون علم ولا حق ولا قيمة فصاروا حراس لبوابات لا يملكونها وقضاة على عقول لم يساهموا يوما في بنائها يحملون من الألقاب المزيفة أعلاها وعلي الرغم من ذلك أصبحت رائحة المجون تعلو عن كل انواع الزيف

فعندما تنطفئ الأضواء وينفض الجمع وتخفت أصوات التصفيق يبحث هؤلاء بين بقايا الرماد عن دفيء زائف لأنهم لا يقوون على حمل مشاعل الحقيقة ولا يحتملون نورها فالحقيقة تكشفهم والوهم وحده يمنحهم مساحة للبقاء ولهذا يعيشون من صناعة الوهم بكافة أنواعه أكثر مما يعيشون على صناعة القيمة ويقتاتون على جهل وسذاجة الآخرين أكثر مما يقتاتون على علمهم لأنهم يدركون أن الإنسان الواعي لا يمكن أن يكون زبونا دائما في أسواق الوهم وحانات النخاسة

هناك أدركت وأنا أعبر هذا الممر أن الخطر لم يعد في الكذب وحده بل فيمن يمنحه شرعية البقاء ويزينه ويصفق له ويقاتل دفاعا عنه حتى يتحول الوهم إلى واقع والادعاء إلى مكانة والتزييف إلى ثقافة ويصبح الزيف هو اللغة الرسمية التي يتحدث بها الجميع ويصبح الصادق غريب في ممر امتلأ بالزيف ولم يعد يرى الوجه الحقيقي

لم يعد أخطر ما يهدد المجتمعات هو الفقر ولا ندرة الموارد ولا صراع المصالح بل أصبح الخطر الحقيقي هو الأتجار بالعقول وتحويل الوهم إلى سلعة والجهل إلى شهادة والادعاء إلى مكانة اجتماعية حتى أصبح كل شيء قابل للبيع إلا الحقيقة ولم يعد السؤال من يملك العلم بل من يملك القدرة على تسويق الجهل في ابهي صورة

الكيانات الهلامية والتكريمات مدفوعة الأجر والشهادات المزيفة والألقاب الموزعة لم تكن خارج سياق التاريخ فقد ظهرت في كل العصور التي ضعفت فيها معايير القياس وغياب الكفاءة بين النخبة وتقدم المشهد من يجيد صناعة زيف يحاكي واقع افتراضي ليمنحه غطاء من الواقعية الزائفة وهنا بدأ الممر يمتلئ بواجهات براقة تخفي خلفها فراغ هائل وتتشكل جمهورية الوهم التي لا تقوم على الإنتاج بل على إعادة تدوير الادعاء ولا تبني القامات بل تصنع أصنام من الورق

وفي قلب تلك الجمهورية قامت مملكة أخرى أكثر خطورة لم تكن مملكة للعلم ولا للإبداع بل كانت مملكة للدعم المزيف حيث يمنح كل فرد فيها الآخر شهادة ويمنحه الآخر لقب ويصنع له الثالث تكريم ثم يتبادلون التصفيق حتى يكتمل المشهد ويولد كيان يبدو من الخارج مؤسسة محترمة بينما هو في حقيقته سوق مغلق لتبادل الاعترافات الوهمية وصناعة الشرعية الزائفة

أما أصحاب الحقيقة فإن خفت صوتهم وقلت حيلتهم فإن يقظتهم آتية لا محالة لأن الباطل مهما طال عمره يحمل في داخله أسباب فنائه ولأن الحقيقة قد تتأخر لكنها لا تموت وقد تغيب عن المشهد لكنها لا تغيب عن التاريخ
وقفت حائرا داخل الممر أتساءل لماذا تتحول القاعات إلى أسواق لبيع الوهم ولماذا تجد من يشتريه ولماذا تمتلئ المقاعد بجمهور لا يعرف لماذا حضر ولا لماذا يصفق ولا لمن يمنح شرعية تواجدة داخل المجتمع ولماذا أصبح المقياس هو الحضور وأصبح الاعتراض على الخداع تهمة تستوجب الإقصاء

كل خطوة داخل الممر كانت تكشف باب يحمل اسم مختلف.تعددت المسميات بينما في النهاية تؤدي كل الابواب إلى الغرفة ذاتها باسم التكريم هذا هو المعلن لدي البعض وما راء الباب يحتاج تدمي له العيون وجوه تتبادل الألقاب وأيادي تتبادل الشهادات وأصوات تتبادل المديح بين وجوه لم تختلف عن بعضها فالطاولة جمعت بين مدعي عدم الإدراك ومن جاء باحثا عن صورة في مشهد لعل وعسى وهذا أكثرهم دنائة وبين من يعلم حقا لانه شريك متضامن بصورة أو بالأحري بأخري

هنا علت صفارات إنذار الممر ورقصت الأنوار إعلانا عن بدء الخطر الحقيقي فالمرتزق الفكري لا يستطيع الحياة وحده وصانع الوهم لا يستطيع الاستمرار دون جمهور لكنه كذلك لا يستطيع البقاء دون شبكة مصالح تمده بالحياة فالوهم لا ينتج نفسه بل تعيد إنتاجه دوائر متشابكة يتكفل كل فرد فيها بتلميع الآخر حتى تبدو الأكذوبة حقيقة ويصبح الزيف واقع مستقر وتتحول المجاملة إلى نظام والتضليل إلى وظيفة والدعم المتبادل إلى سلطة فوق سلطة الحقيقة
باسم التحالف الائتلافي أو جمعيات السعادة او مؤسسات الظلام بكافة أنواعها مع وضع لافته تحمل أسماء براقة أما اصحاب الشهادات المزورة أو العضوية الوهمية يخرج مقتنعا بأنه أصبح باشا من باشاوات العصر. والاخري هانم من هوانم الفقر بينما تتحول أوهام الوجاهة إلى تجارة يتبادلها الباحثون عن الألقاب كما تتبادل السلع الرخيصة في أسواق النخاسة ويصبح اللقب وسيلة للظهور بأفضلية لا نتيجة استحقاق فعلي ويصبح التكريم بداية ادعاءات كافة المسميات المزورة

عندما تفقد الجماهير استقلال عقلها تصبح أكثر قابلية للتوجيه وأكثر استعدادا لتصديق الأفكار الهشه فالكوارث الكبرى لا يصنعها أصحاب الشر وحدهم بل يصنعها أيضا أناس توقفوا عن التفكير واكتفوا بالطاعة والصمت والتصفيق ثم أقنع بعضهم البعض أنهم سادة هذا العصر وهكذا اعتلت البهائم منصات العلم وتقدم من لا يملك ليهب من لا يستحق واختلطت القامات بالأقزام حتى أصبح التمييز بينهما يحتاج إلى شجاعة لا إلى بصر

ولم تعد المشكلة أن الجاهل يتحدث بل أن صاحب الحق يصمت ولم يعد الخطر أن يعلو صوت الباطل بل أن يتراجع صوت الحقيقة حتى يظن الناس أن الصمت إجماع وأن التصفيق دليل صحة وأن كثرة الأتباع برهان على القيمة وهكذا تتحول الجماهير من شهود على الزيف إلى شركاء في صناعته ومن ضحايا له إلى أدوات تحرس استمراره

وعلية يذداد الممر اتساعا فيذداد اختناقا لأن الهواء نفسه امتلأ بكلمات كبيرة فقدت معناها وألقاب براقة فقدت قيمتها حتى أصبح الباحث عن الحقيقة كمن يبحث عن نافذة في جدار مغلق بينما يقف حراس الوهم على الأبواب يوزعون تصاريح العبور لمن يجيد الانحناء ببراعة ويحجبونها عمن يصر على الوقوف منتصبا مهما عصفت الرياح ثم جاءت المرحلة الأخطر ولم يعد الممر كما كان فقد اختفت الوجوه خلف الشاشات كلا يحاكي واقعة الافتراضي وحلت الخوارزميات محل كثير من العقول ولم تعد الحقيقة هي التي تنتصر بل أصبح الأكثر انتشارا هو الأكثر حضورا والأكثر تكرارا هو الأقرب إلى التصديق ولم يعد البرهان يقود الناس بل تقودهم ماكينات صناعة الكذب حتى أصبح الإدراك نفسه سلعة تخضع لقوانين العرض والطلب

وأصبحت المنصات ساحات مفتوحة لا يتنافس فيها أصحاب المعرفة وحدهم بل يتسابق فيها أيضا محترفو صناعة الانطباع والتي أصبحت لها رواجا بين كثير من الانطاع حتى أصبح الوصول إلى عدد أكبر من الجمهور هو المعيار البديل عن الحقيقة

كذلك لم تعد المعرفة معيار المكانة والكفاءة بل عدد المتابعين وسرعة الانتشار وقوة التصفيق وأصبحت الشهادات التي تنتجها أدوات الذكاء الاصطناعي عند البعض بديل عن العلم الحقيقي وأصبح النسخ يسمى إبداع وأصبحت سرعة الوصول إلى المعلومة بديل عن فهمها وتحولت المنصات إلى مصانع لإعادة إنتاج الوهم على مدار الساعة

وبهذا لم يعد سماسرة الوعي في حاجة إلى إقناع أحد بالحقيقة لأنهم لا يبيعون الحقيقة أصلا وإنما يبيعون الشعور بها ويمنحون الناس انطباعا زائفا بأنهم يمتلكون المعرفة بينما هم لا يملكون إلا صورها وأغلفتها ولهذا أصبح الوهم أكثر ربحا من العلم وأسرع انتشارا من الخبرة وأقل كلفة من بناء إنسان مغيب

لقد راهن صناع الوهم على طبقة غاب وعيها سنوات طويلة وأعدت بعناية لتكون السوق الأكبر لهذه التجارة فلم يكن الأمر عشوائيا بل كانت هندسة متقنة لإعادة تشكيل الإدراك الجمعي حتى أصبح اللامعنى قيمة وأصبح الادعاء موهبة وأصبح صاحب القيمة الحقيقية يقاتل وحده كمن يصارع طواحين الهواء وأصبح الصوت أعلى من الفكر والمشهد أعلى من المضمون والمزيفون أضعاف أضعاف الحقيقيون

وكانت مملكة الدعم المزيف تؤدي دورها في صمت فكل نجاح وهمي يجد من يباركه وكل لقب مزيف يجد من يردده وكل صورة تجد من يعيد نشرها حتى تتحول الكذبة الصغيرة إلى حقيقة اجتماعية بفعل التكرار لا بفعل البرهان وهكذا تتشكل طبقة كاملة تعيش على تبادل المصالح وتبادل الاعترافات وتبادل التصفيق

وبهذا انتقل الإنسان من عصر البحث عن الحقيقة إلى عصر استهلاك الوهم وأصبح يبحث عن مسكنات تغطي رائحة الجهل وعفن الألقاب المزورة ولم يعد السؤال ماذا نعرف بل كيف نبدو ولم يعد الاهتمام ببناء الإنسان بل ببناء صورته لأن زمن الصورة أصبح أكثر تأثيرا من زمن الفكرة وأصبح الانطباع يسبق الحقيقة وأصبحت الشهرة عند كثيرين بديل عن الاستحقاق

وهناك أدركت أن أخطر ما في هذا الممر أنه لا يجبر أحدا على السير فيه بل يغريه بذلك حتى يظن أنه اختار الطريق بنفسه بينما كانت كل اللافتات تقوده إلى الوجهة ذاتها وجهة تصنع جمهورية لا يحكمها أهل العلم بل سماسرة الوعي ولا تحميها القوانين بل شبكات الدعم المزيف التي تمنح الوهم شرعية البقاء.

ضاق الصدر ألما من صمت ثقيل داخل الممر وكأن الجدران نفسها توقفت عن الكلام ولم يبق إلا صدى الخطوات وصدري يردد ما عجزت الألسنة عن قوله وهناك أدركت أن سقوط الحضارات لا يبدأ عندما تتهاوى الأسوار ولا عندما تتوقف المصانع ولا عندما تعجز الجيوش عن الدفاع بل يبدأ عندما تعجز العقول عن التمييز بين الحقيقة والزيف وبين صاحب الإنجاز وصاحب اللقب المستعار.

فالبلدان التي تحارب بالسلاح قد تتوقف حروبها يوما وتنهض من جديد أما البلدان التي تحارب بطمس الهوية وتسفيه العقول وتشويه منظومة القيم فإن خرابها يمتد لأجيال لأنها تفقد القدرة على التمييز بين البناء والهدم وبين النهضة والانحدار وهناك يصبح الممر هو ذاته خاضعا للمحاكاة حتى يفقد الناس القدرة على التمييز بين الأصل والنسخة وبين القيمة والسعر وبين الإنسان الحقيقي والصورة التي صنعت له

ولو تأملنا مسار التاريخ لوجدنا أن الحضارات لم تسقط عندما انتصر الجهل وحده بل عندما أصبح الجهل أكثر تنظيما من المعرفة وحين أصبحت الجماهير أكثر ولاء للمشهد من الحقيقة وأصبحت المؤسسات تنتج المظاهر أكثر مما تنتج القيم وأصبح التزييف سياسة والتضليل صناعة وأصبح من يملك أدوات التأثير أكثر قدرة على صناعة الأبطال من أصحاب الإنجازات الحقيقية

إن أخطر من صانع الوهم هو الإنسان الذي يدافع عن الوهم وأخطر من بائع الألقاب هو الباحث عنها وأخطر من مزيف الوعي هو من يسلم عقله طوعا ثم يطالب الآخرين باحترام اختياره لأن الاستسلام للخداع لا يحوله إلى حقيقة ولا يمنح الوهم شرعية البقاء بل يحوله إلى شريك في صناعة الخراب

إننا نعيش مرحلة تشبه السنوات الأخيرة من حضارات كبرى كانت تملك القوة لكنها فقدت البصيرة فانهارت ولم يبق منها إلا صفحات في كتب التاريخ كانت المباني ترتفع بينما القيم تنهار وكانت الاحتفالات تزداد بينما المؤسسات تفرغ من مضمونها وكان التصفيق يعلو في اللحظة نفسها التي كان التاريخ يكتب فيها شهادة السقوط ولم تكن تلك الحضارات تفتقر إلى المال ولا إلى العمران بل افتقرت إلى الضمير وإلى البصيرة وإلى القدرة على التمييز بين نزين الزيف. والحقيقة

ولو استمر هذا التصاعد فإننا لا نتجه إلى مستقبل أكثر تقدما بل إلى مجتمع يعاد تشكيله في كل لحظة مجتمع تتحكم فيه صناعة الإدراك أكثر مما تتحكم فيه الحقيقة ولا تكون فيه القيادة لمن يمتلك المعرفة بل لمن يمتلك أدوات تشكيل العقول وعندها لن يكون السؤال من يحكم بل من يملك القدرة على إعادة برمجة الوعي الجمعي وهناك تصبح الأمم رهينة لمن يصنع الإدراك لا لمن يصنع الحقيقة

ولهذا فإن المعركة القادمة لن تكون معركة اقتصاد ولا سياسة ولا إعلام بل ستكون معركة استعادة العقل واستعادة معنى الكفاءة واستعادة قيمة الصدق واستعادة احترام المعرفة واستعادة الإنسان قبل أن يتحول إلى مجرد متلق لا يرى إلا ما يراد له أن يراه ولا يصدق إلا ما صمم له أن يصدقه لأن معركة المستقبل لن يحسمها من يمتلك السلاح وحده بل من يمتلك القدرة على حماية الوعي من التزييف

وعندما وصلت إلى نهاية الممر لم أجد بابا للخروج كما توقعت دائما بل وجدت طوابير طويلة تدخل الممر وهي تظن أنها تتجه نحو المجد بينما كانت تتجه نحو الوهم ورأيت قلة قليلة تسير في الاتجاه المعاكس تحمل مشاعل الحقيقة رغم ثقل الطريق فعرفت عندها أن كل أمة تختار بنفسها أي الطريقين تسلك وأن السقوط لا يبدأ يوم أن تدخلها الجيوش بل يوم ان تخرج منها الحقيقة ويصبح الوهم دستورا والتصفيق قانونا والصمت فضيلة

ولذلك فإن الأمم لا تموت عندما يكثر فيها الكذب بل تموت عندما يصبح الكذب أكثر إقناعا من الحقيقة وعندما يتحول التصفيق إلى بديل عن التفكير ويصبح السؤال جريمة ويصبح الوهم أسلوب حياة وعندها لا تكون الكارثة قد اقتربت بل تكون قد بدأت بالفعل

التفت خلفي فلم أجد الجدران ولا الأبواب بل وجدت الممر وقد اختفى وكأنه لم يكن سوى امتحان للعقول فمن خرج منه محتفظا بعقله نجا ومن خرج منه حاملا لقبا جديدا بقي أسيرا له إلى الأبد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى