مقال

حينما يبكي الشمع: أسرار الرفقة وقسوة الأقدار


بقلم:
د. جمال جبارة

في زوايا الحكايات التي تهمس بها العصور، وتتناقلها ذائقة الأدب، تبرز قصةٌ ليست مجرد أبياتٍ نُظمت، بل هي فلسفةٌ تجسدت في قلب شمعةٍ حزينة.
تحكي لنا الرواية أن صحيفةً سورية عريقة – وتحية إجلال لأهل الشام أهل الذوق والبيان – أرادت أن تضع القراء والشعراء أمام لغزٍ شعريٍّ بليغ، صاغه الشاعر الفلسطيني “أبو إسحاق الغزي” – سلامٌ لغزة العزّة وأهلها الصابرين – في بيتٍ يقطر حيرةً وألمًا:
مَا لِي أَرَى الشَّمْعَ يَبْكِي فِي مَوَاقِدِهِ
مِنْ حُرْقَةِ النَّارِ أَمْ مِنْ فُرْقَةِ الْعَسَلِ؟
عُلقت الأبيات، ورُصدت الجوائز، وتدافع الشعراء والأدباء يسكبون قريحتهم في محاولةٍ لفكِ طلاسم هذه الدموع السائلة. منهم من ألقى باللوم على “النار” التي تلتهم الجسد، ومنهم من ذهب مذهب العاطفة فزعم أنه حنين “العسل” الذي غادره الشمع وبقي وحيداً في عتمة الوجود. ولكن، ظلت الجائزة معلقة، وظل سر الدموع طي الكتمان.
حتى جاء اليوم الذي وصل فيه هذا التساؤل إلى مسامع الشاعر السوري القدير، صالح الدوماني (رحمه الله)، الذي لم يكتفِ بالتأمل، بل غاص في عمق المعنى، ليُجيب ببيتٍ صار كالصاعقة التي تضيء ظلام الحيرة، بيتٍ يحمل في طياته حكمة العصور:
مَنْ لَمْ تُجَانِسْهُ فَاحْذَرْ أَنْ تُجَالِسَهُ
مَا ضَرَّ بِالشَّمْعِ إِلَّا صُحْبَةُ الْفَتَلِ!
يا له من جواب! لقد كشف “الدوماني” المستور؛ فالشمع لا يبكي حباً في العسل، ولا خوفاً من النار بحد ذاتها، بل يبكي لأنه ابتلِي بـ “الفتيلة”؛ ذاك الكائن الغريب الذي اختلط بجوهره، فصار شريكه في الوجود، وسبباً في فنائه. الفتيل الذي يمتص حياته، ويحترق فيحرق معه الشمع، فيذوب انصهاراً في جحيم علاقةٍ لم تقم على التكافؤ ولا على التجانس.
إنها دعوةٌ بليغة لننظر في حياتنا؛ فكم من فتيلةٍ تدعي القرب وهي تسلبنا ألقنا؟ وكم من رفيقٍ لا يشبهنا، نتجرع معه مرارة الانصهار، ونظن أننا نبكي لظرف الزمان أو قسوة المكان، والحقيقة أننا دفعنا ثمن سوء الاختيار؟
لا تُجالس إلا من يماثلك نُبلاً، ويُطابقك طُهراً، فالحياة أقصر من أن نذوب احتراقاً بجوار من لا يفقه لغة أرواحنا.
احذر “الفتيل” في حياتك.. لكي لا تُطفئك الأيام قبل أوانك.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *