بين الحب والحقد في ميزان القرآن الكريم.

كتبت داليا فوزى.
الشائعات غالبًا لا يصنعها العقل، بل يصنعها الجهل وسوء الفهم.
كيد النساء حب… وكيد الرجال حقد وغل.
تُعدّ قصة يوسف عليه السلام من أجمل القصص التي وردت في القرآن الكريم ، فهي قصة مليئة بالدروس الإنسانية والنفسية العميقة. ومن بين المعاني التي يتوقف عندها كثير من الناس مسألة الكيد ؛ هل يختلف كيد النساء عن كيد الرجال؟ وكيف عرض القرآن هذه الفكرة في أحداث القصة؟ دعنى أوضح لكم الأمر.
كيد الرجال : الغل والحسد وهو نوع من الكيد صدر من الرجال ، وهم إخوة يوسف . فقد كان يوسف محبوبًا من أبيه يعقوب عليه السلام ، الأمر الذي أثار الغيرة في قلوب إخوته . فتحولت هذه الغيرة إلى حسد شديد دفعهم للتخطيط للتخلص منه .
قال الله تعال فى سورة يوسف آية 5..
{قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا}.
كان هذا التحذير إدراكًا لطبيعة النفوس عندما يمتلئ القلب بالغيرة والحقد . وقد ظهر هذا الكيد في صورة مؤامرة حين اتفق الإخوة على إبعاد يوسف وإلقائه في البئر . كان كيدهم نابعًا من الغل والغيرة والرغبة في قتل من يرونه منافسًا لهم في محبة أبيهم . مثل ما فعل الشيطان مع سيدنا آدم والسيدة حواء الشيطان غار من آدم وحواء حين كرّم الله آدم وفضّله ، فسكن الحسد و الحقد قلبه ، فرفض السجود واستكبر . ومنذ ذلك اليوم توعّد الشيطان أن يضلّ بني آدم ويغويهم . لكن الله حذّر الإنسان من كيده، وجعل له العقل والإيمان ليقاوم وساوسه ويهتدي إلى الطريق المستقيم . هنا تم وصف كيد الرجال بكيد الشيطان وهو الحقد والغل.
وقد وصف ايضا فى القرآن الكريم كيد النساء ولكنه هنا بتصف الكيد من نابع العاطفة والانجذاب. وهذا ما وصفة عزيز مصر،.
و هو نوع مختلف من الكيد ، وهو ما حدث مع امرأة العزيز عندما حاولت إغواء يوسف.
فعندما اكتُشف الأمر ورأى العزيز قميص يوسف ممزقًا من الخلف قال : فقد ورد فى سورة يوسف آيه 28.
{فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ}
وهنا ظهر المعنى الحقيقى للكيد و نلاحظ أن هذه العبارة لم تأتِ كحكم عام من الله تعالى ، بل جاءت على لسان العزيز في سياق القصة . فالكلام هنا يعبر عن موقف شخصي في تلك الحادثة ، وليس قاعدة مطلقة تُحكم بها طبيعة النساء كما يفهم بعض البشر .
وفي هذه الواقعة كان الكيد مرتبطًا بالعاطفة ، وليس بالحقد أو الرغبة في الإيذاء كما كان حال إخوة يوسف و الشيطان .
الفرق هنا عند تأملك للاحداث تجد ان ، كيد إخوة يوسف كان سببه الحسد والغيرة .
و كيد امرأة العزيز كان نتيجة العاطفة والانجذاب .
ولكن كلاهما يمثل ضعفًا بشريًا قد يقع فيه الرجال أو النساء على حد سواء . فالقرآن لا يعمم الحكم على جنس دون آخر ، بل يعرض مواقف إنسانية مختلفة ليعلم الناس دروسًا في الأخلاق وضبط النفس . وهنا لا اقصد الدفاع عن النساء ووصف الرجال كيدهم بكيد الشيطان ولكن
الرسالة الأعمق في قصة سيدنا يوسف عليه السلام ليست المقارنة بين الرجال والنساء ، بل التحذير من أمراض القلوب مثل الحسد والشهوة والظلم . فهذه الصفات إذا سيطرت على الإنسان دفعته إلى الكيد والخداع .
الاهم من ذلك ان فى النهاية نرى أن يوسف عليه السلام خرج من كل هذه المكائد منتصرًا بالصبر والتقوى ، {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}.
توضح قصة يوسف أن الكيد ليس صفة خاصة بالنساء أو الرجال ، بل هو تصرف إنساني قد يصدر من أي شخص عندما يضعف أمام الحسد أو الشهوة أو الغضب . أما النجاة الحقيقية فهي في التقوى والصبر والتمسك بالقيم .
وهكذا يبقى يوسف عليه السلام مثالًا للصبر والعفة ، وقصته درسًا خالدًا في فهم النفس البشرية والتغلب على مكائدها .
